نسور السريان

الحصة التليفزيونية التي كادت أن تتحول إلى مناظرة بين البروفيسور الروسي ألكسندر دوغين والدكتور الجزائري بلهول نسيم

المشرف: مشرف

صورة العضو الشخصية
ابن السريان
مدير الموقع
مدير الموقع
مشاركات: 5476
اشترك في: الخميس إبريل 23, 2009 4:36 pm

الحصة التليفزيونية التي كادت أن تتحول إلى مناظرة بين البروفيسور الروسي ألكسندر دوغين والدكتور الجزائري بلهول نسيم

مشاركة غير مقروءة بواسطة ابن السريان » الجمعة مارس 17, 2017 10:02 pm

الحصة التليفزيونية التي كادت أن تتحول إلى مناظرة بين البروفيسور الروسي ألكسندر دوغين والدكتور الجزائري بلهول نسيم

كان ذلك يوم 14 مارس 2017 في قناة “RTV” الروسية في حصة من حصص البرنامج الشهري “مجلس أوراسيا للعلاقات الدولية”.. دار نقاش هام وحاد بين كل من البروفيسور دوغين والدكتور الجزائري بلهول حول موضوع: “روسيا العودة: المشروع الأوراسي وعتبة القوة السلافية” ننقل لكم أهم ما ورد من المداخلين في الحصة من أفكار وآراء:

في رده عن المضايقات الأوروبية تجاه عودة روسيا اعتبر البروفيسور ألكسندر دوغين بريطانيا وأتباعها الأوروبيون في حالة هجوم ضد روسيا من ناحية تعتبر هزلية السياسة الخارجية الإيطالية – وهو نفس وضع مكانة ايطاليا على الساحة الدولية – ما يظهرها بموقف غير جميل ومن جهة أخرى فإنه غالبا ما تظهر ذات ديناميكية جيوسياسية واسعة، وبالتالي تسلط الضوء تاريخيا على استمرار أنماط العلاقات بين القوى العالمية. هذا ما كان عليه الحال في الآونة الأخيرة عندما زعمت الصحيفة الليبرالية البريطانية “الغارديان” أنه يوجد اشتباه بوقوف روسيا وراء محاولة فاشلة لاختراق حساب البريد الإلكتروني لباولو جينيتلوني في الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء الإيطالي غير منتخب وكان يشغل منصب وزير الخارجية في الحكومة ماتيو رينزي. ويدعي المقال أن وزير الخارجية جينتيلوني لم يتأثر بالهجوم، ويضيف: كانت وزارة الخارجية (المكاتب الميدانية)، بما في ذلك السفارات والموظفين الذين يرسلون تقاريرهم إلى روما حول لقاءاتهم مع مسؤولين أجانب، يتأثرون بهجوم البرمجيات الخبيثة”. لكن المسؤول الحكومي قال إن المعلومات الحساسة لم تتعرض لما يثير الشبهة لأنه كان قد تم تشفيرها.
أوجه التشابه بين هذا “الكشف” والظروف المحيطة المبنية من المحافظين الجدد خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة هي أمر ملحوظ ببساطة ويدعو للحرج. في الواقع، كما هو الحال مع المزاعم السابقة حول التدخل الروسي في الخطاب السياسي الداخلي الأمريكي وقرصنة الكرملين المزعومة لبريد هيلاري كلينتون الإلكتروني، والاتهامات التي وجهتها صحيفة بريطانية فهي أيضا لا أساس لها من الصحة. عدم وجود أي دليل هو أمر واضح جدا بحيث يمكن تجاهلها حتى من قبل كاتب المقال، الذي يقول أن الادعاءات لا يؤكدها أي مصدر رسمي. ومضيفا على الرغم من ذلك ما يلي: أن شخصين آخرين على علم بالهجوم قالا أنهما يعتقدان أن الدولة الروسية كانت وراء ذلك”.
وعلاوة على ذلك، على أساس النصائح التي وردت من مصادر مجهولة، فقد هدفت الجهود الروسية لتعطيل “المسار الديمقراطي” في الاتحاد الأوروبي خلال العام، كما كان الهجوم الفاشل على البنية التحتية الإلكترونية في ايطاليا من المفترض أن “يؤثر في صنع القرار داخل الحكومة الايطالية”.
يأتي مثل هذا القول بوصفه حسب دوغين مثيرا للسخرية في ضوء الأدلة التاريخية التي تسلط الضوء على حقيقة أن إيطاليا افتقرت للقدرة على صنع أي قرار في أي وقت مضى منذ عام 1945. ومع ذلك، ومع الفهم الأساسي للتاريخ المعاصر – جنبا إلى جنب مع الحدود الدنيا للمعايير الأخلاقية يجعل أي شخص يعمل ضمن قيود وسائل الإعلام الحديثة يتوقع، أن التوقيت المحسوب من الغارديان يشهد على الطبيعة الحقيقية للدعاية الأطلسية – وهي الدعاية العدوانية التي لا تشغل نفسها بتقديم رواياتها كروايات قابلة للتصديق. الأهم من ذلك، حسب دوغين، أنه ذكر جينتيلوني أن الرئيس بوتين لن يدعى لحضور القمة G7 المقبلة التي ستعقد في تاورمينا، في صقلية. وبذلك، فإن السياسة الإيطالية لا تفوت فرصة لتأكيد الاستسلام غير المشروط إلى استراتيجية العقل المدبر والمنفذ من قبل محور واشنطن ولندن وبروكسل، والذي كان مسؤولا عن استبعاد روسيا من G7 في عام 2014 في أعقاب أزمة القرم وتنفيذ العقوبات.
وجاء الضعف الإيطالي الذي لا مفر منه في التعامل مع تصاعد التوتر مع الكرملين المفروض من الخارج ليسبب خسارة كبيرة للاقتصاد الإيطالي، والذي كان على عكس الاقتصاد البريطاني يعتمد على نطاق واسع على العلاقات التجارية القوية التي بنيت مع روسيا على مر الزمن. والواقع أن الحجم الإجمالي للصادرات الإيطالية إلى روسيا الاتحادية هبط إلى النصف تقريبا نتيجة للعقوبات، من 14 مليار دولار في عام 2013 إلى سبعة مليارات في عام 2015.
أما بخصوص تعليقه حول قيادة المملكة المتحدة للهجمة العالمية ضد موسكو، يرى دوغين أنه على الفور وقبل تنصيب دونالد ترامب، ظهرت سلسلة من اللقاءات التي تعقد من قبل الحكومة البريطانية، في اطار ما وصفه مسؤولون من السفارة الروسية في لندن باعتبارها أعمال تحريضية ضد الكرملين. ويتبع ذلك ما قالته إدارة أوباما في الأيام الأخيرة من حكمها، وهذا ما اعتبرته الحكومة البريطانية المحافظة مبررا لجنون حرب باردة جديدة مع ضرورة أن تبقى يقظة ضد ما يسمونه بالمؤامرة الروسية الهادفة لتقويض “المسار الديمقراطي” للأمة . وسط تصاعد التوتر الدبلوماسي بين لندن وموسكو، أضاف وزير الخارجية البريطاني السابق وزعيم حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بوريس جونسون الزيت على النار، مدعيا أن روسيا تنتهج سياسة الخداع وتخريب الديمقراطيات الغربية عن طريق الإنترنت والتجسس واستخدام “جميع أنواع الخدع القذرة “. وعلاوة على ذلك، تم الكشف مؤخرا عن الخطط التي وضعتها وزارة الخارجية البريطانية لتخصيص 700 مليون جنيه إسترليني إلى “صندوق التمكين” الذي يهدف لتعزيز وتقوية حلفاء المملكة المتحدة في أوروبا الشرقية” وهي أوكرانيا ودول البلطيق، ضد ما زعم من ازدياد “العدوان الروسي” . قصة مسلية ومحرجة – نظرا لتراكم قوات حلف شمال الاطلسي على جبهة البلطيق – وبالتالي فإن بيان بوريس جونسون هو منتج ثانوي من المشاعر المعادية لروسيا منذ فترة طويلة في بريطانيا، والتي تجذرت بعمق في ديناميات من القرن التاسع عشر في ما يسمى “اللعبة الكبرى”.
التاريخ الغربي السائد، حسب دوغين، يصور “اللعبة الكبرى” على أنها المواجهة الدبلوماسية التي جرت بين القوتين العظميين الجيوسياسيتين في ذلك الوقت – الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية – تأتي بشكل طبيعي نتيجة التداخل في آسيا الوسطى بسبب التوسع المتبادل، مما أدى إلى صراع حتمي للهيمنة المطلقة على هذه المنطقة الاستراتيجية. هذه الرواية، ومع ذلك، فشلت بالتمييز بين الطبيعة المتناقضة للإمبراطوريتين. في الواقع، في حين كانت بريطانيا – قوة البحر، تحاول ربط الجغرافيا المتعددة الثقافات والاقتصادات التي تربط بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا – وهي امبراطوريات البحار التي لا تؤمن ترابطا جغرافيا وأنثروبولوجيا بين المكونات، بينما كانت روسيا هي المدخل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لقلب أوراسيا – وقوة الأرض والكيان العضوي الذي يمتد من الأرض السوداء في أوكرانيا إلى الجبال المشجرة من شرق سيبيريا وخارجها – مجالا حيويا، أوراسيا. بريطانيا، وفية لتقاليدها التي تعتمد على القرصنة والتخريب، والتدخل في ممتلكات جنوب الهند من أجل الوصول إلى الطرق الحيوية لتحقيق الربط الاقتصادي والثقافي والسياسي بين قارة أوروبا وقارة آسيا. وكانت تقنيات التجسس والخداع التي يستخدمها البريطانيون في سعيهم للهيمنة في كتاب الكاتب البريطاني بيتر هوبكيرك وهو من الكتب الأكثر مبيعا في العالم ويحمل اسم “اللعبة الكبرى”.
ولذلك لم يكن مفاجئا أن المملكة المتحدة، بالتزامن مع محاولات الصين لتنفيذ شبكة لوجستية تمتد بطول القارة الأوراسية، قد أحيت مؤخرا عاداتها القديمة الإمبريالية بما يخص قلب الأرض الذي لا ينتمي بطبيعة الحال إليها . مع الحلول اللوجستية التي تفسح المجال لتخفيف ثلاثة أضعاف كلف النقل البحري الحالي بين الصين وأوروبا، فإن المبادرة الصينية “حزام واحد، طريق واحد” تشكل واحدة من أعظم المبادرات في تاريخ علم الاقتصاد المعاصر.
في نفس الوقت، هذا المشروع الصيني الطموح يعزز التعاون الذي طال انتظاره، بين الصين وكتلة أوراسيا ويعزز إقامة عالم متعدد القطبية، حيث ستكون روسيا من الطبيعي في صدارته. في حال أصبح مشروع “حزام واحد، طريق واحد” واقعا فإن هذا سيحدث استياءا لدى واشنطن ولندن، اللتان كانتا تعتمدان حتى الآن على فرض نظام القطب الواحد، لتحقيق الثروات الاقتصادية للحلف الأنجلو الأمريكي من خلال الاستغلال الواسع للعالم الثالث الذي يمتد على طول أمريكا الوسطى والجنوبية وأفريقيا وآسيا.
ظهور الكتلة الصينية الأوراسية قوية ومستقرة لمواجهة الهيمنة الأطلسية هو احتمال سيحرك كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لتعطيله بأية وسيلة، للحفاظ على النظام العالمي الذي انبثق بعد نهاية الحرب الباردة. باعتبار روسيا تمثل الجامع الاجتماعي والثقافي والسياسي بين الشرق والغرب ، ومع اتخاذ البيت الأبيض المقعد الخلفي بالنسبة للدعاية المناهضة للكرملين، تحاول لندن أن تلعب “اللعبة الكبرى”.
حقيقة أن حديث الغارديان الذي ظهر مباشرة بعد “الاتفاق” بين رئيس الوزراء الإيطالي ورئيسة الوزراء البريطانية، يبين عمق الاستراتيجية المذكورة آنفا – والتي تعمل على جعل الدول الأوروبية كأدوات للاستراتيجية الكبرى الأنجلو أمريكية، لاستخدامهم في هجوم العولمة ضد أوراسيا.
لقد كان الاتحاد السوفيتي حسب ألكسندر دوغين بلدا شملت أراضيه الواسعة سطح اثنتين من قارات الأرض (أوروبا وآسيا). بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فإنه انقسم إلى 15 دولة جديدة بما في ذلك روسيا وأوكرانيا وأوزبكستان وكازاخستان وروسيا البيضاء وأذربيجان وجورجيا وطاجيكستان ومولدافيا وقرغيزستان وتركمانستان وأرمينيا، ودول البلطيق أي ليتوانيا واستونيا ولاتفيا. بعد هذا الانهيار والتفتت كان هناك سياسة لا تحظى بأية شعبية في الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام ولدى عامة الناس، وبشكل خاص في الاتحاد الروسي. وكان أحد الأسئلة الرئيسية يتردد: هل روسيا قوة أوروبية أم أوروبية آسيوية، أي أوراسية؟، من حيث نمط الحياة، توجه السكان بقوة نحو نمط الثقافة الأوروبية الغربية مع إيمان بالمسيحية الأرثوذكسية في الوقت نفسه. لقد رفضوا الاتصال المفتوح مع الغرب في معارك عديدة، بما في ذلك معارك النفوذ. كانت أهدافهم تركز كثيرا على الجانب الغربي من القارة حتى المحيط الأطلسي، في حين أن أراضي الفضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي هي أساسا دولة آسيوية تمتد إلى المحيط الهادئ.
منذ المرحلة الأولى لنهضة روسيا تحت حكم يلتسين، أول رئيس لروسيا الجديدة، وبعد ذلك في عهد بوتين، الرئيس الحالي لنحو 20 عاما، تصرفت روسيا وآمنت أنها قوة أوروبية، وتوقعت أن يتم الاعتراف بها على قدم المساواة مع الغرب وأوروبا (بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا). ولكن هذا السلوك قوبل بالنجاح على مستوى واحد فقط. على سبيل المثال، روسيا لم تدعى لحضور مؤتمر الثمانية الكبار G8 ومقابلة قادة الدول الغربية، ولكن بعد ذلك، وبسبب الأزمة السياسية في أوكرانيا والقرم طردت روسيا من المنظمة. يركز مؤتمر الثمانية الكبار على القضايا التي تبحث في إدارة الاتحاد الأوروبي والحوار حول قضايا ذات أهمية: مثل الأزمة في الشرق الأوسط، وانتشار الأسلحة النووية، والجرائم العابرة للحدود، خصوصا الإرهاب الدولي.
ولكن، في نفس الوقت، تواجه روسيا توسع حلف الناتو (بدعم سري من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل). حلف شمال الأطلسي الذي تأسس كمنظمة عسكرية واجهت الشيوعية ومنظمة حلف وارسو، وهو المنظمة العسكرية التي كان يقودها الاتحاد السوفيتي الشيوعي. وعلى الرغم من انتهاء الصراع الأيديولوجي والسياسي بين العالم الحر والعالم الشيوعي، وعلى الرغم من نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي فلا يزال الناتو دون منافس واضح. وجود هذه المنظمة هو أمر خاطئ ويشكل مفارقة تاريخية. وبالتالي لم يكن ذلك مفاجئا لروسيا وتجلى ذلك بأن روسيا فسرت وجود هذه المنظمة كقوة لمحاصرة روسيا، والحد من قوتها في شرق وجنوب أوروبا، وتهدد استراتيجيا أمن روسيا عن طريق تقويض العلاقات الأخوية بين السلافيين في أوكرانيا وروسيا البيضاء وضرب عمقها في جورجيا وأرمينيا.
حاول الغرب (بقيادة الولايات المتحدة) التدخل في السياسة الأوكرانية عن طريق الإطاحة بالرئيس المنتخب (الموالي لروسيا) وبالحكومة الأوكرانية وبالديمقراطية. بالإضافة إلى ذلك فقد حاول الغرب تعزيز ودعم الحكومة الأوكرانية الجديدة المنفتحة على حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي “المؤيدة لأوروبا”. كل هذا يشكل تحديا مباشرا وتهديدا لمصالح روسيا وإستراتيجيتها الأمنية.
مع التوسع في عمليات حلف شمال الأطلسي، إلى جانب التوسع في تمدد الاتحاد الأوروبي، فقد عمل الغرب بلا هوادة وباستمرار على اختراق ومحاصرة منطقة نفوذ روسيا وأمنها، وقوتها. سابقا عبرت روسيا بوضوح أنها لن تستسلم، سواء أكان ذلك في الشيشان المسلم على الأراضي الروسية أو في حالة جورجيا، عندما استخدمت القوة العسكرية وقامت بتدبير حاسم لمنع وقوع الكارثة الجورجية، في حين أن الجميع يطالب بعدم التدخل في أحداث المنطقة.
القضية الأخيرة كانت تدخل الغرب في أوكرانيا. قررت روسيا حماية شبه جزيرة القرم، التي لا تنتمي أبدا إلى أوكرانيا، والتي يوجد على أراضيها قاعدة بحرية تضم القوات النظامية للبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، وجنوب أوروبا. شبه جزيرة القرم، ومعها شرق أوكرانيا، غالبية السكان فيهما من أصل روسي وهم من الأرثوذكس في غالبيتهم، في حين غرب أوكرانيا هم مواطنون كاثوليك.
بعد ذلك، تم فرض عقوبات اقتصادية على روسيا التي وصفت بالشريرة من قبل وسائل الإعلام الغربية و “المجتمع الدولي”، وعندما تحول الأمل والحلم بأن تكون روسيا جزءا من أوروبا والغرب مع مرتبة الشرف والكرامة والمساواة إلى خيبة الأمل والعدوان على روسيا، اضطرت روسيا لإعادة النظر في نظرتها وتساءلت: ماذا علينا أن نفعل؟ في الوقت نفسه أوروبا والغرب يهددون روسيا دون توقف ولا يثقون بروسيا.
وقد أدت مراجعة النفس بالنسبة إلى روسيا في ظهور فكرة ضرورة وجود دولة قوية وقوة عظمى على المستوى الأوروبي الآسيوي. هذه هي العودة إلى الفكرة الروسية.
ونتيجة لذلك، قرر بوتين وحكومته ان روسيا يجب أن تسعى لتكون قوة على المستوى الأوروبي الآسيوي (قوة أوراسية)، وفعلا بدأت روسيا تتخلى عن الاهتمام باتجاه واحد كما كان في السابق ، ولكنها تريد التركيز على القوة في كل من أوروبا وآسيا. بعد أن أهملت آسيا لأكثر من 20 عاما، فإن روسيا تعطي اليوم المزيد من الانتباه والاهتمام لآسيا.
أنشأت روسيا وكالات متخصصة لتطوير مناطق شاسعة في سيبيريا والشرق الأقصى حتى شمال المحيط الهادئ ووضعت ميزانيات لهذا الغرض لتحسين البنية التحتية كبناء طرق النقل الجديدة عن طريق البر والبحر (القطب الشمالي) وخطوط أنابيب الغاز الطبيعي، وتشجيع الاستثمار الأجنبي من أجل تنمية الموارد، وكل هذا جزء من محاولة لخلق أيديولوجية جديدة، والانضمام إلى طريق الحرير الجديد، وبالإضافة إلى ذلك، روسيا تريد أن تعيد بناء العلاقات والروابط مع الدول الآسيوية مثل الهند وباكستان ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، بما في ذلك أستراليا ونيوزيلندا.
يجب على روسيا حسب دوغين الاهتمام بحقيقة أنها عضو في لجنة آسيا والمحيط الهادئ للأمم المتحدة، حيث ناقش الأعضاء الاستقرار السياسي وقاموا بإجراء حوار مع الشركاء، روسيا لم تستغل بفعالية هذه العضوية، ونادرا ما لعبت دورا بارزا. إنها لم تقدم أية مبادرة وأية مساهمات في هذا المجال. واحدة من مشاكل روسيا في الحقبة السوفيتية تركزت بالاعتماد على بيع السلاح ومنتجات الطاقة إلى آسيا على الرغم من حقيقة أن روسيا لديها صناعات رئيسية أخرى وتكنولوجيا وعلماء، ومؤسسات بحثية لهذا العرض. عدم وجود تعزيز لهذه القدرات جعل التركيز محصورا فقط على الطيران والشؤون العسكرية.
روسيا لم تقم بتوزيع وتطوير قدراتها الكبيرة كما يجب. وإلا لماذا يبقى وزن روسيا في آسيا قاصرا ومحدودا للغاية. بناء على ذلك، يتعين على روسيا تطوير العلوم والتكنولوجيا لخلق التميز في آسيا. على وجه الخصوص، وخاصة صناعة التكنولوجيا الفائقة التي يجب توسيعها وتنويعها لأغراض التجارة.
بالنسبة لتايلاند، أوصي أن تركز روسيا على التعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا، وخصوصا التركيز على الأبحاث والاكتشافات على سبيل المثال، في عالم الطب. روسيا يمكن أن تصبح المركز التجاري للعالم الطبي، بل و”المركز الطبي”. تايلند تستورد المنتجات الطبية من الولايات المتحدة والصين وأوروبا، ولكن إذا تعاونت روسيا مع تايلاند في تطوير الصناعات الطبية وبناء وحدتهما الطبية كمركز طبي واحد، فإن هذا سيكون تحديا مفيدا لروسيا.
يمكن لروسيا أيضا توسيع قاعدتها البحرية في تايلاند (ميناء ساتاهيب) من خلال العمل على التعاون العسكري مع تايلاند. وهذا يعني التبادل العسكري والدعم ألاستخباراتي التكنولوجي. وهذا من شأنه مساعدة روسيا لتكون لاعبا في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي والمحيط الهادئ، وبالتالي تمكين روسيا من الحصول على مزيد من الأهمية والثقل في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
لكن على روسيا ألا تركز فقط على التعاون العسكري. بدلا من ذلك، يجب التركيز وتطوير الإمكانات في كل المجالات التجارية والعسكرية. وهذا من شأنه أن يكون “توجها حقيقيا نحو آسيا.”
وفي سؤال وجه له حول عملية الإحياء الأوراسي الروسي، اعتبر دوغين أن عملية “تجميع الإمبراطورية” ينبغي أن تتوجه منذ بدايتها نحو غاية بعيدة وهي انفتاح روسيا على البحار الدافئة. فبفضل كبح التوسع الروسي في الاتجاهات الغربية، والشمالية الغربية بالذات، تمكنت انجلترا الأطلسية من الاحتفاظ بهيمنتها على جميع “الآماد الشاطئية” المحيطة بأوراسيا. ومن الناحية الجيوبولوتيكية كانت روسيا دولة “مكتملة” في الشرق والشمال حيث تطابقت حدودها السياسية مع الحدود الجغرافية الطبيعية للبر الأوراسي. لكن المفارقة تتمثل في كون هذه السواحل تتلاصق “بالبحار الباردة” وهو ما يشكل حاجزا منيعا دون تطوير الملاحة البحرية في المستوى الذي يمكن به بصورة جادة القيام بالمنافسة على البحار التي ترفع راية “الجزيرة الغربية” (إنكلترا ثم أميركا فيما بعد). ومن ناحية أخرى فإن الأراضي الروسية، الشرقية والشمالية لم يجر استثمارها بصورة كافية بسبب خصائص طبيعية وثقافية، وكافة المشاريع المتعلقة بتكامل آسيا الروسية (بدءاً من تلك التي اقترحها الدكتور بادماييف على الإمبراطور الأخير وحتى خط “بايكال-أمور” المرتبط ببريجنيف). تم تدميرها بفعل منطقية محيرة ما وتحت تأثير الجوائح التاريخية، العفوية منها والمقصودة.
ومهما يكن من أمر فإن إيجاد مخرج على البحار الباردة في الشمال والشرق يجب أن يتمم بالانفتاح على البحار الدافئة في الجنوب والغرب، وفي هذه الحالة فقط تصبح روسيا “مكتملة” من الناحية الجيوبولوتيكية، وفي سبيل ذلك دارت الحروب الروسية التركية الوفيرة الأعداد والتي لم يجني ثمارها لا الترك ولا الروس، بل الإنجليز الذين أراقوا دماء الإمبراطوريتين التقليديتين الأخيرتين من بين الإمبراطوريات الثلاث ( الإمبراطورية الثالثة هي النمسا والمجر).
أما الإندفاعة الأخيرة نحو الجنوب الذي يمثل ضرورة حياتية لروسيا فكان التوسع الفاشل للاتحاد السوفياتي نحو أفغانستان. والمنطق الجيوبوليتيكي يظهر بنفس المعنى بأنه سيكون حتما على روسيا أن تعود إلى هناك على الرغم من أنه كان أفضل بكثير أن تعود في صورة حليف، وحام وصديق، من أن تعود في صورة جلاد غليظ القلب. وآنذاك فقط وعندما يصبح الخط الساحلي حدودا جنوبية وغربية لروسيا يمكن الحديث عن الاكتمال النهائي لبنيانها الاستراتيجي. وليس ضروريا إزاء ذلك أن يدور الحديث حول الفتوحات والتوسع وعمليات الإلحاق فالحلف الاستراتيجي المكافئ، القوي، المعادي للأطلسية، المعقود مع الدول القارية، الأوروبية منها والآسيوية، يمكن أن يكون كافيا لتحقيق هذا الهدف.
والخروج إلى البحار الدافئة يمكن التوصل إليه ليس فقط عن طريق الحروب الدامية، بل ومن خلال سلام عقلاني مفيد للمصالح الجيوبوليتيكة لجميع الدول القارية، لأن مشروع التكامل الاستراتيجي الأوراسي سيمكن جميع تلك الدول من أن تكون حرة ومستقلة أمام الجزيرة الأطلسية البديلة والتي وحدها بدورها مبدأ مونرو الاستراتيجي.
كانت الخلجان والبحار الدافئة محظورة على روسيا عندما لم يكن قد وجد بعد ذلك العامل الأطلسي الواضح، الولايات المتحدة، الذي يهدد مصالح أوروبا بأسرها وآسيا بأسرها وعندما كانت الدول الكبرى المختلفة في البر تنافس إحداها الأخرى على الأولوية في مواجهة إنجلترا وعلى القيادية في قضية الوحدة الترابية الاستراتيجية.
لقد سلط تطبيق مبدأ مونرو حسب دوغين الضوء على مجموع الأهمية الجيوبوليتيكية لروسيا ولهذا صار الاتحاد مع روسيا الثابت الملح الواضح بالنسبة لجميع علماء الجيوبوليتيكا الواقعيين في القارة (مهما كان اللبوس السياسي الذي يلبسونه تبعا للظروف، وخطر العولمة والشمولية الأطلسية يفتح لروسيا من الناحية النظرية منفذا إلى البحار الدافئة عبر الحلف الذي يفرض نفسه بنفسه بين “قلب الأرض” و”الهلال الخارجي” ضد المحتلين القادمين من وراء البحار.
يمكن تحديد عدد من النتائج التي تتعلق بآفاق الإمبراطورية القادمة، حسب ألكسندر، على أنها الصيغة الوحيدة للوجود اللائق والطبيعي للشعب الروسي وعلى أنها الإمكانية الوحيدة للوصول برسالته التاريخية والحضارية إلى أبعد مداها. فالإمبراطورية القادمة لا ينبغي أن تكون “دولة جهوية” (إعطاء صلاحيات واسعة أو مايشبه حكم ذاتي للأقاليم) ولا “دولة- أمة”: وهذا أمر واضح. فليس من الضروري التوكيد على أن مثل هذه الإمبراطورية لا يمكن أن تكون في أي يوم استمرار أو تطويرا لدولة جهوية أو “دولة – أمة” (هي منطقة جغرافية تتميز بأنها تستمد شرعيتها السياسية من تمثيلها أمة أو قومية مستقلة وذات سيادة وهي كيان ثقافي وإثني) لأن مثل هذه المرحلة البيئية تحمل ضررا لا يمكن إصلاحه للتوجه الإمبراطوري القومي المتعمق وتنتهي بالشعب الروسي إلى متاهة التناقضات الجيوبوليتيكية والاجتماعية التي لا حل لها، وهذا بدوره ما يجعل البناء الإمبراطوري المنطقي، العقلاني أمرا مستحيلا.
الإمبراطورية الجديدة حسب دوغين يجب أن تقام دفعة واحدة كإمبراطورية، ويجب أن ترسي المبادئ الإمبراطورية الكاملة الأهلية والمتطورة في أساس مشروعها منذ الآن. ولا يجوز إرجاء هذه العملية إلى الأفق البعيد أملا بتوفر الظروف الملائمة في المستقبل. فأمثال هذه الظروف لإقامة الإمبراطورية الروسية الكبرى لن تتوفر أبدا ما لم يبادر الشعب والقوى السياسية الطامحة إلى العمل باسمه منذ الآن إلى توطيد توجهها الجيوبوليتيكي والحكومي الأساسي وبصورة واعية وواضحة. فالإمبراطورية ليست مجرد دولة كبيرة جدا. إنها أمر مختلف كل الاختلاف. إنها حلف استراتيجي جيوبوليتيكي يتجاوز المعاملات الخاصة بالدولة الاعتيادية، إنها مافوق الدولة. ومن الناحية العملية لم تتطور أي دولة اعتيادية لتصبح إمبراطورية\. أقيمت الإمبراطوريات دفعة واحدة كتعبير عن إرادة حضارية متميزة، كحافز هائل لبناء العالم.
ولهذا فإن من الضروري القول منذ الآن لا “الدولة الروسية” بل الإمبراطورية الروسية. لا طريق التطور الاجتماعي، بل طريق الثورة الجيوبوليتيكية. فالملامح الجيوبوليتيكية والإيديولوجية لإمبراطورية الروس الجديدة يجب أن تتحدد على أساس التخلص من تلك اللحظات التي أدت من الناحية التاريخية إلى إفلاس الصيغ الإمبراطورية السابقة.
وفي رده حول سؤال يتعلق بشروط العودة الإمبراطورية الروسية الجديدة، يرى دوغين، أنه على الامبراطورية الجديدة: أن تكون لا مادية، لا إلحادية، ذات اقتصاد لا مركزي. أن تكون لها إما حدودها البحرية أو الأحلاف الصديقة على الأراضي القارية المجاورة. أن تتميز بالبنية العرقية-الدينية التعددية المرنة بالنسبة لبنائها السياسي- الإداري الداخلي وما إلى ذلك، بمعنى أن تأخذ في الحسبان الخصائص المحلية العرقية، الدينية، الثقافية، الأخلاقية وما إلى ذلك بالنسبة لكل منطقة وأن تضفي الصفة القانونية على هذه العناصر. إضفاء المرونة على مشاركة الدولة في توجيه الاقتصاد، فلا تمس إلا آفاقه الاستراتيجية، وتقليص الدورة الاجتماعية بشدة، والعمل على الوصول إلى المشاركة العضوية للشعب في قضايا التوزيع. هذه البنود الأربعة الأولى حسب دوغين تنطلق من تحليل أسباب إفلاس الإمبراطورية السوفياتية، من: شحن المعادلة الدينية – القيصرية بالمضمون المقدس الصافي الذي ضاع تحت تأثير الغرب العلماني على أسرة رومانوف، وتحقيق ثورة أرثوذوكسية “محافظة” من أجل العودة إلى منابع النظرة المسيحية الحق. تحويل مصطلح “الشعبية” من الشعار الأوفاروفي إلى أفق مركزي للبناء الاجتماعي – السياسي وجعل الشعب المقولة المؤسسية السياسية والحقوقية الأهم، ومعارضة التصور العضوي للشعب عن طريق المعايير الكمية للقانونية الليبيرالية والاشتراكية وصياغة نظرية “حقوق الشعب”. التوجه بدلا من الجيوبوليتيكا السلافيانوفيلية إلى المشاريع الاوراسية التي ترفض سياسة روسيا المعادية للألمان في الغرب وسياستها المعادية لليابانيين في الشرق والتخلص من التوجه الأطلسي الثاوي تحت قناع “القومية الروسية”. الحيلولة دون عمليات الخصخصة والرسملة وأيضا دون لعبة البورصة والمضاربات المالية في الإمبراطورية، والتوجه نحو رقابة الشعب التعاونية، الجماعية والحكومية على الواقع الاقتصادي، ونبذ خرافة “الرأسمالية الوطنية” المثيرة للريبة. الانتقال من مبدأ المحافظات إلى إقامة العرقية – الدينية ذات المستوى الأعلى من المستوى الذاتي الثقافي، اللغوي، الاقتصادي والحقوقي في استقلالية سياسية، استراتيجية، جيوبوليتيكية وإيديولوجية واحدة.
ويرى دوغين أنه على بناة الإمبراطورية الجديدة أن يقفوا بفعالية ضد توجهات “الشبان الروس” في القومية الروسية، من يتطلعون إلى تثبيت وضعية “الدولة- الأمة” على روسيا، وضد جميع القوى السياسية الرومانسية التي تضع في مخططاتها الجيوبوليتيكية الدعوة إلى تلك العناصر التي كانت قد انتهت بالإمبراطورية إلى الكارثة.
لا معنى لوجود الشعب الروسي كجماعة تاريخية عضوية بدون إبداع قاري يقوم على بناء الإمبراطورية. ولن يغدو الروس شعبا إلا في إطار الامبراطورية الجديدة. وعلى هذه الإمبراطورية، وفق المنطق الجيوبوليتيكي أن تتفوق من الناحية الاستراتيجية والمدى المكاني على الحالة السابقة (الاتحاد السوفييتي) وعلى هذا فإن الأمبراطورية الجديدة ينبغي أن تكون أوراسية قارية كبرى وأن تكون في المستقبل عالمية.
فمعركة الروس من أجل السيادة على العالم لم تنته بعد.
فبالنظر إلى جميع العوامل الرئيسية الأساسية، يعتبر دوغين، أنه يتضح أن روسيا الاتحادية هي الوريث الجيوسياسي لكل الأشكال التاريخية والسياسية والاجتماعية السابقة، التي تبلورت في جميع أنحاء الإقليم المحيط بالسهل الروسي، من أيام “روس الكييفية” إلى مرحلة “القبيلة الذهبية” وحتى مرحلة حكم الدولة الروسية المركزية أيام إيفان الرابع، ما كان يسمى مقاطعة موسكو وحتى الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفييتي. هذه الاستمرارية ليست فقط من الناحية الإقليمية ولكن أيضا من النواحي التاريخية والاجتماعية والروحية والسياسية والعرقية. بدأت الحكومة الروسية من العصور القديمة بالتوسع التدريجي أكثر فأكثر في فضاء “قلب الأرض”، حتى احتلت هذا الفضاء كله بالإضافة للمناطق المحاذية له. وترافق هذا التوسع المكاني للسيطرة الروسية على الأراضي الأوراسية بعملية اجتماعية موازية عززت اللغة الروسية في المجتمع كأحد الترتيبات الاجتماعية في الأراضي الروسية باعتبارها سمة حضارية روسية ممتدة بشكل قاري. الميزات الأساسية لهذه الحضارة هي: سمة المحافظة، السمة الكلية، الأنثروبولوجيا الجماعية (الجماعة أكثر أهمية من الفرد)، التضحية، التوجه المثالي، قيم الإخلاص، والزهد والشرف والولاء. علم الاجتماع، بعد زومبارت يصف هذا الأمر “بالحضارة البطولية”. وحسب عالم الاجتماع بيتريم سوروكين، هو نظام اجتماعي وثقافي مثالي. تم التعبير عن مثل هذه الخصوصية الاجتماعية في مختلف الأشكال السياسية، التي لديها قاسم مشترك، من خلال التكاثر المستمر للثوابت الحضارية والقيم الأساسية، التي استحوذت على تعبيرات تاريخية مختلفة. النظام السياسي في “روس الكييفية” يختلف نوعيا عن السياسة في مرحلة “القبلية الذهبية”، والتي بدورها تختلف عن مرحلة “مقاطعة موسكو”. بعد بيتر الأول، تغير النظام السياسي بشكل حاد مرة أخرى حتى ثورة أكتوبر عام 1917، التي أدت أيضا إلى ظهور نوع جديد للدولة مختلف بشكل جذري. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي نشأت على أراضي “قلب الأرض” حكومة أخرى مختلفة عن سابقاتها: الاتحاد الروسي المعاصر.
لكن كل هذه الأشكال السياسية، التي تميزت باختلافات نوعية وأحيانا بمبادئ أيديولوجية متناقضة، حملت على مدى التاريخ السياسي الروسي مجموعة من الصفات المشتركة. في كل مكان نرى تعبيرات سياسية عن الأوضاع الاجتماعية المميزة للمجتمع الممتد بشكل قاري، تتحدث عن البطولة. ظهرت هذه الخصائص الاجتماعية في السياسة من خلال ظاهرة تحدث عنها العديد من الفلاسفة الأوراسيين منذ العام 1920، وهي ظاهرة الأيديوكراسيا أو الحكومة المعتمدة على النظريات المجردة. هذا النموذج الفكري في المجال الاجتماعي والثقافي، بقي كصفة عامة روسية، ملازما للمجتمع الروسي في جميع مراحل تاريخه، ويصب في مجال السياسة الأيديوكراسية، الذي كان يعبر أيضا عن توجهات فكرية مختلفة، ولكنه حافظ على النظام الرأسي الهرمي “الهيكل الفكري المثالي” للحكومة.
أما حول رده عن مستقبل روسيا على مستوى الخريطة الجيوسياسية المستقبلية العالمية، يعتبر دوغين أن الاتحاد الروسي يقع في نطاق قلب الأرض، والهيكل التاريخي للمجتمع الروسي يشير بوضوح إلى الصفات العامة للمجتمع الروسي، وبدون تردد علينا أن نكون مرتبطين بالاتحاد الروسي أيضا وبالحكومة التي تعتمد على مبدأ القوة الأرضية كقاعدة وشعب يعتمد البطولة كمفهوم. عواقب مثل هذا التحديد الجيوسياسي هي النظرة العالمية. لذلك يمكننا أن نتوقع سلسلة كاملة من الخصومات، التي تكمن بشكل أساسي في النظرة الروسية الجيوسياسية الشاملة نحو المستقبل. وقد ركز في رده على مجموعة من النقاط، أهمها:
– الهوية الجيوسياسية الروسية، تعتمد نظرة قائمة على الدولة ذات القوة البرية، تتطلب تعميق وتقوية المعرفة والتنمية. على وجه التحديد تم في هذا الجانب تأكيد النظرة السياسية فيما يخص السيادة في بداية العام 2000 من قبل رئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين. يتم النظر إلى السيادة الروسية بشكل أعمق وأهم من ذلك بكثير: تحقيق المشروع الاستراتيجي لصيانة الوحدة السياسية الإدارية لقلب الأرض، وإعادة خلق الظروف الملائمة لروسيا للعب دورها القطبي على نطاق العالم. بتعزيز سيادة روسيا نكون قد عززنا أحد أعمدة البناء الجيوسياسي في العالم. وهذا ما نقوم بتنفيذه، والعملية أكبر بكثير من نطاق مشروع السياسة الداخلية المتعلقة بجيراننا. حقيقة أن روسيا من خلال منظورها الجيوسياسي لـ”قلب الأرض” تجعل من سيادتها مشكلة للآخرين. كل القوى والدول في العالم تراقب روسيا، إذا كانت ستنجح في هذا التحدي التاريخي، وهل ستكون قادرة على حفظ وتعزيز سيادتها.
– بغض النظر عن التفصيلات الإيديولوجية، روسيا محكومة بنزاع مع حضارات البحر (القوى التي تعتمد على القوى البحرية) والتي تتجسد اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية ونظام القطب العالمي الأمريكي الواحد. الثنائية الجيوسياسية ليس لديها شيء مشترك مع الخصوصيات الأيديولوجية أو الاقتصادية لهذا البلد أو ذاك. تكشفت أبعاد الصراع الجيوسياسي العالمي بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية البريطانية، بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي. واليوم يتكشف الصراع نفسه بين روسيا الديمقراطية وكتلة الدول الديمقراطية في منظمة حلف شمال الأطلسي. المشاكل الجيوسياسية أعمق من أن تكون متعلقة بالتناقضات السياسية والأيديولوجية أو بأوجه التشابه. وجود مثل هذا الصراع المبدأي لا يعني الحرب أو الصراع الاستراتيجي المباشر. ويمكن فهم الصراع بطرق مختلفة. من الناحية الواقعية في العلاقات الدولية، نحن نتحدث عن صراع المصالح، الأمر الذي يؤدي إلى الحرب فقط عندما يكون أحد الطرفين مقتنع بما فيه الكفاية بضعف الآخر أو عندما يكون على رأس الدولة الأخرى نخبة تضع المصلحة الوطنية فوق كل الحسابات العقلانية. ويمكن أن يتطور الصراع سلميا من خلال نظام التوازن الاستراتيجي والاقتصادي والتكنولوجي والدبلوماسي العام. في بعض الحالات يمكن أن يخف التوتر إلى مستوى التنافس والمنافسة، على الرغم من أن قرار الآخرين لا يمكن الحكم عليه في أي ظرف من الظروف. في مثل هذه الحالة تبقى مسألة الأمن السياسي في مركز الاهتمام، دون إهمال أي من العوامل الأخرى كالتحديث وزيادة الناتج المحلي الإجمالي أو تحسين مستوى المعيشة، الذي يبقى ذا أهمية مستقلة. هذه ليست “عدوانية”، وإنما تحليل عقلاني سليم من روح الواقعية. هذه هي الواقعية السياسية.
– بوجهة النظر الجيوسياسية، روسيا أكبر من الاتحاد الروسي في الحدود الإدارية الحالية. الحضارة الأوروآسيوية التي أنشئت في جميع أنحاء قلب الأرض بجوهرها الروسي، هي أوسع بكثير من روسيا المعاصرة. بشكل أو بآخر تنتمي جميع بلدان رابطة الدول المستقلة عمليا إليها. وفي إطار هذه الخصوصية الاجتماعية، فرض العامل الاستراتيجي على روسيا ضمان أمن أراضيها بضرورة إمتلاكها لقوة عسكرية تحمي المناطق المرتبطة بها – في الجنوب والغرب، وأيضا في الشمال حيث المحيط المتجمد الشمالي. وعلاوة على ذلك، إذا اعتبرنا روسيا قطبا يعتمد القوة البرية، يصبح من الواضح أن مصالحها المباشرة تمتد في جميع أنحاء الإقليم، الممتد والملامس لجميع القارات والبحار والمحيطات. وتنشأ بالتالي ضرورة وضع استراتيجية جيوسياسية عالمية لروسي،ا بشكل يضمن هذه المصالح ويضمن الاحترام لكل بلد ولكل منطقة.

أما الدكتور الجزائري بلهول نسيم وفي رده حول سؤال يتعلق والثورة في الشؤون الجيوسياسية وموقع روسيا منها، رأى أنه بالنسبة للتكامل ما فوق الدولي هناك توزع سياسي متناقض إلى حد ما، فهناك من جهة، “المشروع العالمي” الذي يفترض إزالة كاملة للدول التقليدية وإقامة حقل حضاري كوني يدار من طرف مركزي واحد يمكن تسميته اشتراطيا ب”الحكومة العالمية”. وهذا المشروع في أساسه هو الخاتمة المنطقية للاتجاهات الليبيرالية التي تحاول تدمير جميع البنى الاجتماعية التقليدية واصطناع مجال “إنساني عام” موحد مكون لا من الشعوب بل من “الأفراد”، لا من الدول، بل من جمعيات تكنوقراطية ومن عمال غير مهرة. على هذه الصورة بالذات ظهرت في عيون عولميي بدايات القرن “الولايات المتحدة الأوروبية”، التي كان يحلم بها الرأسماليون الليبيراليون (مونيه، كودينوف، كاليغري وسواهم) والشيوعيون (تروتسكي وآخرون)، وفيما بعد ألهمت هذه الأفكار مصممي ما ستريخت وإيديولوي ” النظام العالمي الجديد”. إلا أن هناك صيغة موازنة لهذا الافق العولمي، تحميها القوى السياسية غير الملتزمة. والحديث يدور حول منظري الإمبراطورية الجديدة على القاعدة التعاونية والدينية. ومثل هذا الفهم “للمدى الكبير الجديد” ينبثق لا من النظرية الكمية نحو التكامل (كما هو بالنسبة للعولميين) بل من مبدأ روحي فوق القومي، والذي كان يمكن أن يبدو متساميا بالنسبة للتكوينات التاريخية القائمة ويمكنه أن يجمعها معا في تركيب مقدس أعلى. وطبقا للظروف يتخذ “المشروع الإمبراطوري” أساسا له أمام العامل الديني (المناصرون الكاثوليك لانبعاث إمبراطورية النمسا والمجر) أو العرقي (إيديولوجيو الإمبراطورية الأوروبية الموحدة بوحدة أصل الشعوب و”اليمينيون الجدد” الفرنسيون من بينهم بصفة خاصة)، أو العامل الجيوبوليتيكي (نظرية البلجيكي جان تيريار) أو الثقافي (مشاريع الأوراسيون الروس). وبناء عليه نجد هنا قطبين أساسيين متعارضين، يريان واقعين جيوبوليتيكيين متشابهين ولكن ضمن أفق معكوس. وهكذا فقد أبرزنا في كل واحد من المشاريع الجيوبوليتيكية نظرتين متناقضتين متباينتين بصفة جذرية، وهو ما يحدد في مجموعه كافة الإمكانات الأساسية للصراع الإيديولوجي حول المسائل البدئية. و بفضل مثل هذ ا المخطط يمكننا تصنيف التحالفات السياسية المختلفة بين قوى يبتعد بعضها عن البعض الآخر إلى حدود كبيرة.
ترتبط الإشكالية العامة للبناء الجيوبوليتيكي في العالم المعاصر، حسب الدكتور بلهول، بعلاقة مباشرة بروسيا، حيث تلتقي بنفس المشاريع الجيوبوليتيكية الأساسية. فللأصناف الثلاثة (الإقليمية، الدولة-الأمة، المدى الكبير) نظائر مباشرة في واقعنا الجيوبوليتيكي. تتطابق الإقليمية مع الاتجاهات الانفصالية ضمن نطاق الفيديرالية الروسية، سواء في الجمهوريات القومية والأقاليم أو حالة التطلع إلى الاستقلال الذاتي الكامل للتشكيلات الترابية المحضة (مشاريع جمهوريتي سيبيريا والاورال وغيرهما). فهناك أنموذج المركزية الحكومية ويدعو إليه أنصار المشروع الجيوبوليتيكي “روسيا ضمن حدود الفيديرالية الروسية”.
وكذلك هناك من يدعو إلى إعادة الاتحاد السوفييتي، إعادة الإمبراطورية الروسية ضمن إطار الاتحاد السوفييتي، أو إفامة الأمبراطورية الأوراسية، وهم ينتمون إلى صنف منظري المدة الكبير الجديد.
وعلى نحو ما هو الأمر في التصميم العام فليس من الضروري إطلاقا أن يعتنق أنصار هذا المشروع و ذاك قناعات سياسية واحدة. يمكن أن تكون لكل مشروع شارتان قطبيتان تحددان اشتراطيا ب “اليمينية الروسية” أو اليسارية الروسية”. فلنحاول تحديد مواقع اليمينيين واليساريين في الحياة السياسية الروسية بالنسبة لوجوهها الجيوبوليتيكية الثلاثة.
فالتوجهات الانفصالية في “الجناح الأيسر” الأكثر تطرفا تستخدم من قبل نفس القوى التي وقفت وراء دمار الاتحاد السوفياتي. فمن خلال اعتبارهم الدولة السوفياتية معقل “الرجعية” و”الشمولية”، طرح الليبيراليون الروس منذ زمن بعيد أفكار “روسيا داخل حدود القرن الرابع عشر” وما إليها، وهو ما افترض تفتيت الاراضي الروسية الى جزيئات منفصلة وفقا للمبدأ الإثني ووفقا للمبدأ الجغرافي الصرف في الوقت نفسه. فوحدة الأمة الروسية وقوة الدولة الروسية لا تعنيان لهؤلاء اليساريين أية قيمة تاريخية، بل إنهم على العكس من ذلك، يرون فيها عقبة في طريق ” التقدم” على الصعيد الإنساني العام. وهذا المشروع الإقليمي، يلقى من يدافع عنه من طرف بعض الليبيراليين المتطرفين اللذين يرغبون في انهيار الفيديرالية الروسية.
والصيغة “اليسارية” للبرنامج الوطني الحكومي ضمن حدود الفيديرالية الروسية جسدت القيادة الروسية بعد الغورباتشوفية التي كانت على قناعة أن من الأكثر جدوى من أجل إجراء الاصلاحات هو تطبيق الأساليب المركزية بإخضاع كافة الروسة لخط موسكو المتشدد. والمركزية الحكومية تعد في مفهوم هذه القوى الوسيلة الأفضل والأسرع لتحويل واقع روسيا الاجتماعي والسياسي بطريقة تصل الى المعايير الانسانية التقدمية، أي المعايير “الغربية” الأطلسية في حقيقة الحال.
وتوجد وتشتد قوة حركة الحكوميين “اليمينيين” وهؤلاء هم وطنيون سلمو بانهيار الاتحاد السوفياتي، ويرون أن خلق دولة روسية مركزية قوية من الفيديرالية الروسية يمكن أن يعزز تماسك الأمة الروسية. واليمينيون يرفضون الانفصالية والإمبرالية لأن تفتيت الفيديرالية الروسية يعني، في رأيهم تضييع الروس للأراضي التابعة لهم، أما التوسع الإمبراطوري فسيجيء بعدد كبير من العناصر غير القومية وسيهدد الهيمنة القومية للروس.
والأوراسية “اليمينية” تنطلق من فهم إمبراطوري للرسالة التاريخية لروسيا التي ينبغي أن تكون إما قارة مستقلة مكتفية بذاتها، أو أن تنحرف عن مهمتها التاريخية.
فعلى الرغم من تنوع وجهات النظر في علم الجيوسياسة العالمية، حسب الدكتور الجزائري، إلا أننا نتعامل مع لوحة واحدة للعالم يمكن أن نسميها اللوحة الجيوبوليتيكية، ولوحة العالم هذه تطمح لأن تدخل في تحليل العمليات التاريخية والعلاقات ما بين الشعوب وما بين الدول عددا من المقاربات التأسيسية (الجغرافية، والمتعلقة بعلم السياسة، والإيديولوجية والاتنوغرافية والاقتصادية وما الى ذلك، وفي هذا يتجسد الطابع الأساسي لكافة النظريات الجيوبوليتيكية.
أما الصيغة المنهجية الأكثر عمومية والمشتركة بين جميع علماء الجيوبوليتيكا فهي توكيد الثنائية الكونية التاريخية بين اليابسة، التيلوروكراتيا، الأرض، الأوراسية، الـheartland، “الحضارة الايديوقراطية”، من جهة، وبين البحر، التالاستوكراتيا، الـsea power، العالم الانجلو ساكسوني، الحضارة التجارية، “الهلال الخارجي، من الجهة الاخرى. وهذا ما يمكن النظر اليه على أنه القانون الأساسي للجيوبوليتيكا. وخارج التسليم بهذه الثنائية تفقد جميع النتائج معناها. فعلى الرغم من كل الاختلافات في الرؤى الخاصة لم يقدم أسي واحد من مؤسسي العلم الجيوبوليتيكي بوضع هذه المقابلة موضع الشك، وهو ما يضارع في معناه قانون الجاذبية الكوني في الفيزياء.
الخاصية الثانية لنظرات مؤسسي الجيوبوليتيكا هي حتمية استخدامهم السياسي. فمن الناحية العلمية لا نجد عالما جيوبوليتيكيا واحدا تم استبعاده عن المشاركة في الحياة السياسية لدولته. فلا بد للجيوبوليتيكي وهو ينطلق الى بحوثه العلمية، من أن يحدد مكانه الخاص على خارطة الاقطاب الجيوبوليتيكية، ويهذا ترتبط زاوية الرؤية التي سيحلل من خلالها كافة الأحداث العالمية، ولا يوجد عالما جيوبوليتيكيا اتسم باللامبالاة نحو دولته أو شعبه أو لم يشاطرهما نوجههما الخلقي او التاريخي. ويتتجلى هذا واضحا عند الاقطاب المتطرفة، فالمؤلفون الأنجلوسكسون يسيرون دون أي إحساس بالحرج، و بطريقة موحدة، وراء منطق و قيم نظام الـsea power أو التالاسوكراتيا عندما يصوغةن نظرياتهم من مواقع المؤيدين للأطلسية دون تحفظ، والأوراسيون الروس على نفس المستوى من الاستجابة في وفائهم لقيم الـheartland أو القوى البرية، فهم أيضا لا يضعون موضع الشك الأفضلية الخلقية والتاريخية للإيديوقراطية ولروسيا.
ويبدو الأمر أكثر تعقيدا، حسب الدكتور بلهول، بالنسبة للفرنسيين اللذين لديهم الخيار النظري لتحقيق ذاتيتهم الخاصة، – التالاسوكراتية أو التيلوروكراتية – فعليهم في الحالة الأولى أن يتضامنوا نع العالم الأنجلوساكسوني، مع القوى البحرية التجارية، وفي الثانية – مع الميل للألمان، و الاحتمالان يفرضان مشاعر استحسان قومي لا نهاية لها. وهذان الاتجاهان متوفران، من الناحية النظرية بين علماء الجيوبوليتيكا الفرنسيين، إلا أن التصور الجيوبلييتيكي الأكثر رسوخا بينهم هو الذي قدمته مجموعة الاطلسيين. ولألمانيا موقف مزدوج أيضا، فإذا كان تفكيرها الجيوبوليتيكي موجها في عمومه توجها قاريا أوراسيا، فإن هذا التوجه محكوم بعلاقة معقدة نحو العالم السلافي، نحو آسيا ، و نحو روسيا بصفة خاصة. وقد بلغ هذا التقييد حدا كبيرا من الملموسية كما بلغت محاولات ألمانيا لموازنة وضعها الأوروبي المتوسط مع وضعها الأوراسي المتوسط، متجاهلة بذلك المعنى التاريخي لروسيا- الأوراسيا-. عناد ألمانيا جعلها تضطر في الحربين العالميتين لخوض الحرب ليس فقط ضد الدول التالاسوكراتية بل وحتى ضد حليفها المنطقي الأوراسي ( الاتحاد السوفييتي). ويمكن القول أن القارية ( اللاأوراسية) هي سمة الجيوبوليتيكية الألمانية وهذه الوضعية تلخص التاريخ الألماني بأسره في معادلة جيوبوليتيكية وتحدد مسبقا بنية الوعي القومي ذاتها. الأميركيان ماهان وسبيكمان، والإنجليزي ماكيندر يمثلون “الهلال الجزيري”، إنهم الناطقون بلسان الأطلسية- التالاسوكراتية. وفيدال دي لابلاش ( ومدرسته) يمثلون فرنسا الأطلسية. ويميل لافال وديغول نحو القارية ” الأوروبوية”، نحو العداء للأطلسية، ومن هنا ينبثق ميلهما المتبادل لحب الألمان، و الذي يقرب جيوبوليتيكيا بينهما على الرغم من انتمائهما لمعسكرين متعاديين، حيث لافال رئيس حكومة فيشي المتعاونة مع العدو، بينما كان ديغول قائد الجيش الفرنسي المعادي للفاشية.
وأخيرا فإن الأوراسيين الروس (سافيتسكي، تروبتسكوي وغيرهما) يستعرضون أكثر صور القارية اكتمالا بتعبيرهم عن الموقف الأكثر راديكالية ل “نوموس” اليابسة، التيلوكراتية. بالنسبة للخط الأمريكي الأطلسي ( التالاسوكراتي) في الجيوبوليتيكا فقد تطور من الناحية العملية دون أي انقطاع. فبمقدار تطبيق مشاريع الأمريكيين في إقامة “الدولة العالمية” زاد العلماء الأطلسيون تدقيق الآفاق الجزئية لنظريتهم وزادوها تفصيلا مع تطوير مجالاتها التطبيقية. والأنموذج المؤسس ” للقوة البحرية” وأبعادها الجيوبوليتيكية تحول من صياغات علمية لعدد من المدارس العسكرية والجغرافية ليصبح السياسة الرسمية العالمية للولايات المتحدة.
وبالإضافة إلى ذلك فإن تحول الولايات المتحدة إلى دولة فوق العظمى وخروجها الى المرحلة النهائية للتالاسوكراتيا جعل علماء الجيوبوليتيكا الأمريكيين يتدارسون أنموذجا جيوبوليتيكيا بالغ الحدة تشارك فيه لا القوتان الأساسيتان، بل قوة واحدة فقط. وقد تم وضع صيغتان لتطور الأحداث ، إما الفوز النهائي للغرب في المبارزو الجيوبوليتيكية مع الشرق وإما الجمع بين المعسكرين الإيديولوجيين في واحد وإقامة الحكومة العالمية وسمي هذا المشروع ” الموندياليزم” ، وقد استدعى هذا الموقف اتجاها خاصا في الجيوبوليتيكا هو “جيوبوليتيكا العولمة”.وقد عكف الأمريكيون على صياغة هذه النظرية منذ السبعينات، لكن التصريح بها بصورة علنية لأول مرة تم عام 1991 من طرف جورج بوش رئيس الولايات المتحدة خلال حرب الخليج.
وفي رده عن سؤال حول مراكز الشر الجيوسياسية في العالم، اعتبر الدكتور بلهول نسيم، أنه على مر التاريخ، كان هناك دائما مركز واحد يقود الشر. أولئك الذين نشروا الحروب والمجازر يتصرفون حسب التسلسل القيادي ويتبعون الخطط الموضوعة من المركز. هناك مركز واحد فقط هو المسؤول عن الحروب الكبرى في القرن العشرين وعن الاستعمار وعن كل المجازر وعن تقسيم الشرق الأوسط وأفريقيا وعن كل الأزمات الاقتصادية. الشر هو كالأخطبوط الذي لديه الكثير من الأدوات. تميل عيوننا إلى التركيز على الأداة الأكثر نشاطا أولا. ومع ذلك، فهناك الدماغ الذي يوجه كل هذه الأدوات.
كل الأدوات تتحرك بتنسيق كامل لتحقيق الأمر الصادر عن الدماغ. حقيقة أن الأدوات تبدو وكأنها تتحرك بشكل مستقل ولكن هذا مجرد وهم – كل هذه الأدوات هي تحت سيطرة الدماغ. وعلاوة على ذلك، الشر هو أيضا بنية هرمية مثل الهرم، بغض النظر عن مدى اتساع القاعدة أو عدد الطبقات المصنوع منها، ولكن تبقى هناك نقطة واحدة في الجزء العلوي، وهي النقطة التي لديها السلطة المطلقة على كل ما هو تحتها.
سيكون من المستحيل الحصول على نتائج في مكافحة الشر من خلال التركيز فقط على الأدوات أو استهداف المستويات الدنيا من الهرم. يجب علينا طرح معركة فكرية ضد الجزء العلوي الذي يسيطر ويدير ويعطي الأوامر ويتخذ القرار النهائي في النظام. يجب فضح هذا المحور المذكور في صميم هذه المعركة الفكرية، لأن هذه السلطة هي فعالة فقط طالما يمكنها استثمار الآخرين، وإخفاء نفسها باستخدام كل الوسائل السرية المخزية.
حين نتحدث عن زعامة الشر في العالم اليوم، نذكر العديد من الأسماء: مثل الدول العميقة في الولايات المتحدة وإسرائيل ، وهيئات مثل الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي، ومنظمات مثل وكالة المخابرات المركزية، الموساد أو غلاديو، الجمعيات السرية من المتنورين والماسونية، والجمجمة والعظام وفرسان المعبد، وأولئك الذين يسيطرون على الاقتصاد العالمي مثل بارونات المال في وول ستريت، وشركات النفط متعددة الجنسيات. ولكن هذه كلها مجرد أدوات في هذا النظام. هم أيدي الأخطبوط، وهي تشكل المستويات الدنيا من الهرم.
أما الدولة البريطانية العميقة، من ناحية أخرى، فهي تقع في الجزء العلوي من هذا الهرم لعدة قرون. الدولة البريطانية العميقة هي أيضا سبب الاستعمار والاستعباد. لقد ظلت الصين والهند واندونيسيا وماليزيا تحت نير الاستعمار البريطاني لعدة قرون. كما كانت الدولة العميقة البريطانية هي التي قدمت الأفيون إلى الصين، جوعت الهند ، وأرهبت معظم جنوب شرق آسيا. في الوقت الحاضر، لم يعد أحد يتذكر الإبادة الجماعية التي قامت بها بريطانيا في الهند في تلك الفترة. بريطانيا في تلك الفترة، سببت المجاعة لحوالي 330 مليون شخص قبل 150 عاما، وتسببت في وفاة أكثر من مليون هندي.
إنها أيضا الدولة البريطانية العميقة التي دمرت الإمبراطورية العثمانية واحتلت الأناضول. تم تجميع الكادر المؤسس للشيوعية في بريطانيا. البيان الأول للحزب الشيوعي من ماركس وإنجلز الذي يشكل حجر الزاوية في الشيوعية نشر لأول مرة في بريطانيا. جميع النصوص النظرية الأساسية للشيوعية، بما في ذلك نظرية رأس المال، كانت مكتوبة هناك. مؤسسو الليبرالية، وآدم سميث وديفيد ريكاردو، كانوا بريطانيين. تشارلز داروين، الذي أسس الأساس الأيديولوجي للداروينية الاجتماعية التي أطلقت كل هذه الفظائع على العالم في القرن العشرين، كان بريطانيا.
السياسات التي أوصلت الشرق الأوسط إلى حمام دم، حسب الدكتور بلهول، هي من عمل الدولة العميقة البريطانية. تم تأسيس معظم دول الشرق الأوسط من قبل بريطانيا. تم ترسيم الحدود لدول الشرق الأوسط في اجتماع القاهرة برئاسة ونستون تشرشل. وقد تم اختيار معظم قادة البلدان المعنية من قبل الدولة العميقة البريطانية. رجال الدولة العميقة البريطانية مثل T.E. لورنس وجيرترود بيل والجنرال أللنبي، أوردي في وينجيت وهيوبرت يونغ والسير بيرسي كوكس وهربرت صموئيل وما إلى ذلك هم الذين أوجدوا، ودربوا هؤلاء الناس.
تم تدريب الغالبية العظمى من الكوادر الذين حكموا الشرق الأوسط في القرن العشرين في المدارس البريطانية مثل أكاديمية ساندهيرست العسكرية وكلية الدراسات الشرقية وإكستر وكامبريدج أو أكسفورد لخدمة خطط الدولة العميقة البريطانية. وهنا يجب التذكير أن هناك عدد لا يحصى من الناس من الذين تم تدريبهم في تلك المدارس كانوا من الشرفاء والمخلصين. ومع ذلك، فمن الواضح أيضا أن هذه المدارس كانت تستخدم كمراكز للتدريب من قبل الدولة العميقة البريطانية.
تم تدريب معظم مؤسسي الإرهاب المتطرف في جامعة الأزهر. حاكم مستعمرة مصر الأنجلو ساكسوني العنصري اللورد كرومر، ، هو الذي جعل جامعة الأزهر كما كانت عليه. جامعة الأزهر، جنبا إلى جنب مع محمد عبده، الذي تم تمويله بدعم من اللورد كرومر، أصبحا مركزا للداروينية الاجتماعية في العالم الإسلامي. هذه الكوادر هم منظرو الإسلام المتطرف. والنظام الذي أنشأه اللورد كرومر أثر على العالم الإسلامي في غضون السنوات الثلاثين التي تلته. وهذا التأثير السلبي هو السبب الرئيسي لبيئة الحرب الحالية.
كانت الدولة العميقة البريطانية وراء انقلاب مصدق في إيران، وانقلابات عام 1960، 1971، 1980، 1998 و 2016 في تركيا، وكل انقلابات التاريخ الحديث في مصر وسوريا والعراق. تم تأسيس وكالة المخابرات المركزية والموساد، التي يقال أنها تحكم العالم اليوم، وتم تدريب عناصرها من قبل موظفي الفرع MI6 في المخابرات البريطانية. تأسس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من قبل بنك إنجلترا، كذلك فعائلة روتشيلد، إحدى زعامات الاقتصاد العالمي، مقرها في بريطانيا. وجورج سوروس تلقى تعليمه في بريطانيا. تأسست العيون الخمسة ، أكبر أنظمة للمراقبة في العالم، والتي تعرضت للإختراق من قبل إدوارد سنودن، في أستراليا التي تسيطر عليها بريطانيا. كارل بوبر، الأب المؤسس لحركة المجتمع المفتوح لسوروس، هو بريطاني. ريتشارد دوكينز، الذي هو حامل علم الإلحاد في القرن الواحد والعشرين، هو أيضا بريطاني. يجب أن نلاحظ شيئا مهما هنا: وهو أن الشعب البريطاني المحب والودود سوف يواجه بنية الدولة العميقة البريطانية لإنقاذ الشعب البريطاني من هذا البلاء الذي أضر بها لقرون عديدة.
غزت بريطانيا تاريخيا العالم كله ما عدا 22 بلدا. دعونا نلقي نظرة على هذه الخريطة من الدول التي غزتها بريطانيا: أنتيغوا وبربودا، أستراليا، جزر البهاما، بنغلاديش، بربادوس، بيليز، بوتسفانا، إقليم المحيط الهندي البريطاني، جزر فيرجن البريطانية، بروناي … جزر كايمان وجبل طارق جزر كريسماس، جزر كوكوس، كوك جزر .. دومينيكا، جزر فوكلاند، وغامبيا، ويلز، جانا، غرينادا، غيانا، جنوب أفريقيا، الهند، اسكتلندا، جامايكا، الكاميرون، كندا، كينيا، كيريباتي، أيرلندا الشمالية، مملكة ليشوثو… هذا ليس كل شيء، هناك أكثر من ذلك: جمهورية ملاوي، جزر المالديف، ماليزيا، مالطا، موريشيوس، جزر المرجان، ومونتسيرات، وموزامبيق؛ ناميبي، ناورو، نيجيريا، جزيرة نورفالك. هذا ليس كل شيء أيضا، لا يزال هناك المزيد. بابو، غينيا الجديدة، جزر بيتكيرن، روس التبعية، سان كيتس ونيفيس، سانت لوسيا، سانت فنسنت وجزر غرينادين، ساموا، سانت هيلانة، سيشيل، سيراليون، سنغافورة وجزر سليمان، سري لانكا، وسوازيلاند. وهناك المزيد أيضا. تنزانيا، تونغا، ترينيداد وتوباغو، وتوكيلاو، جزر تركس وكايكوس، وتوفالو، أوغندا، فانواتو، ونيوزيلندا، وزامبيا. كل هذه الدول ال 52 هم أعضاء في الكومنولث البريطاني. وتجري الانتخابات في بعض هذه البلدان. ليتم انتخاب رئيس الوزراء، ولكن فوق كل هذه الإدارات المنتخبة في بعض هذه الدول، لا يزال هناك حاكم معين من قبل لندن. وهذا يعني أن المملكة المتحدة ترسل “الحكام” لحكم كل هذه الدول كما لو كانت مقاطعات تابغة لها. الحكومات المنتخبة تتخذ القرارات، ولكن توضع هذه القرارات أمام الحاكم البريطاني، الذي بدوره يعرضها للملكة. والملكة تقول “نعم” أو “لا”.
الولايات المتحدة نفسها كانت من المستعمرات البريطانية السابقة. أدت مكائد الدولة العميقة البريطانية لحرب عام 1812، حيث احتلت القوات البريطانية لفترة وجيزة واشنطن العاصمة وأحرقت البيت الأبيض. مفاوضات السلام بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت تجري تحت الاشراف البريطاني. ومن الجدير بالذكر أيضا أن أحد عملاء المخابرات البريطانية المخضرمين هو الذي أعد التقارير المزورة ضد الرئيس ترامب.
برنارد لويس، العقل المدبر لحروب أفغانستان والعراق، والحرب بين إيران والعراق، ومشروع الهلال الأحمر، وتفتيت منطقة الشرق الأوسط، وصراع الحضارات وعصر الحروب الاسلامية، هو ضابط سابق لدى الاستخبارات العسكرية البريطانية. درس في SOAS لمدة 30 عاما. لويس، والذي جاء الى الولايات المتحدة عام 1974، أصبح كبير مستشاري جميع رؤساء الولايات المتحدة تقريبا فيما يتعلق بشؤون الشرق الأوسط منذ ذلك الحين. وهو المربي لكيسنجر وبريجنسكي وهنتنغتون ومشاهير المحافظون الجدد. إنه الشخص الذي كتب سياسات الولايات المتحدة بالمعنى الحقيقي للكلمة.
اليوم باكستان وأفغانستان والعراق ونيجيريا وسوريا واليمن، حيث يموت الناس نتيجة للإرهاب فيها كان معظمها تحت الاحتلال البريطاني. أسامة بن لادن تلقى تعليمه في بريطانيا. الجماعة الإسلامية المسلحة GIA ، التي غطت الجزائر بالدم، تدرب كوادرها في بريطانيا. وكان أهم مسلحو تنظيم داعش جنود من بريطانيا.
داعش، تنظيم القاعدة، بوكو حرام، حركة الشباب، فيتو، حزب العمال الكردستاني، وحزب الاتحاد الديمقراطي، أسالة، والتحرير الشعبي الثوري-C، والألوية الحمراء والمنظمات الإرهابية المماثلة كلها بمثابة جنود المشاة للدولة العميقة البريطانية. هذا الهيكل يجلب إراقة الدماء والدموع في كل مكان يذهب إليه. والقائمة تطول. وللتلخيص نقول أنه تم تغطية 300 سنة أخيرة من تاريخ البشرية بالدم من قبل الدولة العميقة البريطانية. قتل مئات الملايين من الناس الأبرياء، بمن فيهم الشعب البريطاني، في أيدي هؤلاء العنصريين، الاستعماريين، الباحثين عن الذات، الوحوش، القتلة الذين لا يرحمون. لقد أجريت أفظع المجازر الجماعية في التاريخ من قبل الدولة العميقة البريطانية وتسببت بمعاناة كبيرة للشعب البريطاني كذلك.
في 15 جويلية 2016، حسب الدكتور بلهول، عندما أزيحت الأقنعة وكشفت الألوان الحقيقية عن التمرد المسلح في تركيا، أرسلت انجلترا آلاف الجنود إلى قاعدة سلاح الجو الملكي في سواحل جنوب غرب قبرص على بعد 100 ميل من تركيا، وأرسلت السفن الحربية البحرية الملكية إلى البحر الأبيض المتوسط، ونشر مئات من الطائرات والمروحيات التي من المفترض أن تساعد حوالي 50،000 من المواطنين البريطانيين بالابتعاد عن الخطر. وكان الجنود أحرارا في التعامل مع ‘المتمردين المحليين الذين حاولوا التدخل في هذه العملية. يبدو أن كل هذه التحضيرات التي قامت بها انجلترا قد كانت لشيئ آخر غير محاولة انقاذ المواطنين، وأكثر من ذلك كخطة محسوبة.
بعد تحسن علاقات تركيا مع روسيا – البلد الوحيد الذي قدم الدعم لتركيا خلال تلك الفترة، كانت الدولة العميقة البريطانية المضطربة تدرك أن الدول الثلاث تعمل على توحيد القوى لعملية حل للأزمة السورية تجلب السلام للمنطقة . لقد كانت المملكة المتحدة، تنتظر على أهبة الاستعداد – لعملية لغزو – أثناء المحاولة الانقلابية، التي يفترض منها موقفا “وديا” “صريحا تجاه تركيا. وبطبيعة الحال، وجود علاقات طيبة مع الناس في المملكة المتحدة هو أمر مهم بالنسبة لتركيا. ومع ذلك، فإن الدولة العميقة البريطانية لم تكن أبدا لمصلحة تركيا ولا لمصلحة شعبها ولن تكن أبدا كذلك.
لا يستطيع أي زعيم، ولا أية دولة أن تقف لوحدها في مواجهة مكائد مثل هذه البنية التي تم تنظيمها على هذا النطاق واخترقت البنى التحتية في البلدان الأخرى. فقط التحالف الجيد من شأنه أن يوقف مثل هذه الخطط الشريرة. في العام الماضي، وضع الأساس لتحالف قوي لا يتزعزع بين روسيا وتركيا بمبادرة من الرئيس بوتين. من واجب الجميع الأخيار الذين يريدون أن ينقذوا العالم من ويلات الدولة العميقة البريطانية الدفاع ودعم هذا التحالف.
كما أشار الدكتور بلهول في رد حول العمق السلافي الروسي، أن النمط المعادي لأميركا في التركيبة الروسية استمرارية للمذهب الفكري عند السلافيين ولا يمكن من خلال النظر للهوية الروسية من دون التخلص من البصمة الغربية أي التحرر من الطريقة الأوربية (وخاصة أوربا الغربية) في النظرة إلى الذات، وهذا ما أصبح معيار بعد بطرس الأكبر. لكن أوروبا اليوم لم تعد أوروبا في العصر السلافي ولا أوروبا في العصر الأوراسي الأول. أوروبا تختلف الآن عن الغرب بمعنى تختلف عن الغرب ذي التأثير الأمريكي. روسيا أصبحت اليوم متحررة وعلى جميع المستويات من النفوذ الغربي والأميركي. الحركة نحو الغرب (Westernism) ليست مجرد موقف فكري إنما هي في نفس الوقت مرض معد وخيانة وطنية. ولهذا السبب يجب علينا أن نكافحها بلا هوادة. وفي سياق الصراع ضد الغرب يؤكد الروس أنفسهم كشعب روسي ينتمي إلى الثقافة الروسية وإلى التاريخ الروسي وإلى القيم الروسية.
ومن جانبه يرى الدكتور أن صموئيل هنتنغتون وصف بطريقة واقعية العقبات التي تواجه أنصار العالم أحادي القطب والمتعصبين لنهاية التاريخ. عندما اختفى الاتحاد السوفياتي العدو الرسمي الأخير للولايات المتحدة تصور البعض أن الغرب وصل إلى نتيجة التطور الديمقراطي الليبرالي وأنه على وشك الوصول إلى “الجنة الأرضية” في هذا المجتمع التقني التجاري الحالي. لقد كانت هذه فكرة فرانسيس فوكوياما عندما كتب كتابه المشهور حول نهاية التاريخ كان عند هنتنغتون الوقائع الموضوعية لإظهار كل ما يتعارض مع التفاؤل المعلن في وسائل الاتصال حول العولمة، ومن خلال تحليل هذه الظاهرة وصل إلى استنتاج أنه يمكن إدراج كل ذلك تحت مفهوم واحد هو مفهوم الحضارات وأن هذه الكلمة هي الكلمة المفتاحية.
ولكن هذه الكلمة تعني أيضا ظهور مفهوم ما قبل العصر الحديث في شكله العصري الحديث. الحضارة الإسلامية، على سبيل المثال، وجدت قبل الحداثة. ولكن في العصر الحديث فإن الاستعمار قام بتشريع استخدام هذا المصطلح والاعتراف بالمسلم وتمييز المسلمين “كمجموعة عرقية”، وبعد انتهاء الحقبة الاستعمارية ظهرت الدول القومية التي يوجد فيها “سكان مسلمون”، ولكننا نجد فقط أن الثورة الإسلامية (ذلك النموذج التقليدي للثورة المحافظة) هو النموذج الوحيد الذي تم إنشاؤه كدولة إسلامية يعتبر الإسلام فيها مصدراً للسلطات والتشريع. للتنظير حول الانتقال من الدولة إلى الحضارة، وضع هنتنغتون مفهوما سياسيا وعلميا جديدا يعتمد على هذا المفهوم ويؤسس لبعد جديد في السياسة الدولية التي ولدت بعد زوال الاتحاد السوفياتي. وبعد ذلك، اكتشفت الأوساط الأطلسية أنها سوف تواجه عدواً جديدا، على عكس الاتحاد السوفياتي، لا يقوم على أيديولوجية رسمية بشكل صريح، ولكنه مع ذلك بدأ يسعى لتقويض نظام العالم الجديد ذي المركزية الأمريكية. العدو اليوم هو الحضارات وليس مجرد بلدان ودول إنها نقطة تحول.
من بين جميع هذه الحضارات فإن الحضارة الغربية فقط هي التي تقدم نفسها على أنها حضارة عالمية وبالتالي لتكون بهذه الطريقة “الحضارة” الوحيدة. أما من الناحية الرسمية، والآن لا أحد يكرر ذلك، فإن الغالبية العظمى من الرجال والنساء الذين يعيشون خارج الفضاء الأوروبي أو الأمريكي يرفضون هذه الهيمنة من الحضارات الأخرى والاستمرار في التجذر في أشكال تاريخية وثقافية مختلفة. وهذا ما يفسر الظهور الجديد للحضارات. استنتج هنتنغتون أن سيادة الحضارة الغربية على العالم ستواجه تحديات جديدة. ونصح بضرورة تواجد الوعي ضد هذا الخطر.
كان فوكوياما من مفكري العولمة المتفائلين، بينما هنتنغتون كان متشائما، حيث قام بتحليل المخاطر وقياس الأخطار، فقد كان هنتنغتون محقا عندما قال إن الحضارات سوف تعود الى الظهور، لكنه لم يكن صائبا عندما أبدى قلقه حيال هذا، بل على العكس، يجب أن نفرح حول إمكانية عودة الحضارات. وعلينا أن نشيد بها وندعمها، وتفعيل هذه العملية وليس مراقبة ذلك بسلبية..
الصراع بين الحضارات أمر حتمي تقريبا، ولكن يجب أن تتركز مهمتنا في إعادة توجيه خصومتنا، والتي لن تتوقف عن النمو، ضد الولايات المتحدة والحضارة الغربية، بدلا من توجيهها ضد الحضارات المجاورة لنا. يجب علينا أن ننظم جبهة مشتركة من الحضارات ضد هذه الحضارة الغربية والتي تتظاهر بأنها حضارة استثنائية. هذا العدو المشترك والجامح للامتلاك هو العولمة والولايات المتحدة، ومعظم شعوب الأرض مقتنعة بأنه يجب الحد من الصراعات بين الحضارات، واذا كان لابد من هذا الصراع ، فإنه يجب أن يكون بين الحضارة الغربية وبقية الحضارات في العالم والاتجاه الأوراسي هو الصيغة السياسية التي تناسب هذه الحضارات.
وهناك نقطة أخرى، فمن الواضح، أننا لا نستطيع تتبع هنتنغتون عندما دعا إلى تعزيز العلاقات عبر الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة. وللأسف فقد استجاب الجيل الجديد من القادة الاوروبيين بالفعل بشكل إيجابي لهذه الدعوة. قدر أوروبا ليس على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. ويتعين عليها أن تحدد بوضوح نفسها باعتبارها حضارة متميزة وحرة ومستقل. يجب أن تكون أوروبا الحقيقية، وليس أوربا الأميركية والأطلسية. يجب عليها بناء نفسها على أنها إمبراطورية ديمقراطية عصرية، من خلال استصلاح جذورها الثقافية ومقدساتها، باعتبارها مستقبلها مرتبط بقيمها في الماضي. أوروبا التي لا تنتفض أيضا في وجه الولايات المتحدة فهي في نفس الوقت تخون جذورها وقيمها وسوف تدين نفسها في المستقبل. أوروبا لا تنتمي إلى الفضاء الأوراسي، ولكنها بالتأكيد، يمكن وينبغي حتى أن تكون أوراسية إلى الحد الذي تلتزم فيه بفكرة “الفكرة العالمية هي أنه لا يوجد حضارة عالمية استثنائية”، وهذا لا يعني أن تندمج في الفضاء الجغرافي في أوراسيا. الروس يرغبون ببساطة أن تكون أوروبا هي نفسها أوربا، وليست مرتبطة بأية حضارة أخرى، الأوراسية لا تفرض هويتها على الآخرين، بل تساعد باقي الحضارات لأن تثبت نفسها وهويتها، وتطور نفسها عضويا وتزدهر، قال الفيلسوف الروسي قسطنطين ليونتيف “نحن يجب دائما أن ندافع عن فكرة تعددية الحضارات، وهذا هو الشعار المفضل للأوراسية.
في رده عن نظرته فيما يخص بالعمليات الخاصة للقوات الخاصة الروسية، يرى الدكتور بلهول أن وحدات العمليات الخاصة الروسية (سبيتسناز)، هي وحدات لديها تاريخ طويل من الإنجازات التي يرجع تاريخها حتى إلى مناطق بعيدة مثل الحرب الأهلية الإسبانية. وكان دورها الأساسي حتى وقت قريب يقتصر على توفير الدعم للقوات البرية من خلال جمع المعلومات الاستخباراتية وتدمير المنشآت الرئيسية العملياتية والإستراتيجية خلف خطوط العدو. مع نهاية الحرب الباردة تضاءل احتمال حدوث حملات برية كبرى تستخدم جيوشا ضخمة، لأن خطر التصعيد النووي يرجح عدم خوض القوات المسلحة للدول الكبرى نزاعات أو مواجهات كتلك التي تنفذها القوى الأخرى على أرض المعركة. إن ضعف النظام العالمي ما بعد الحرب الباردة يعني تحول المزيد من البلدان إلى دول فاشلة نتيجة الوقوع تحت إرهاب جهات متطرفة تستخدم الإرهاب وغيره من أشكال الحرب غير التقليدية ضد القوات التقليدية كأداة إكراه مثالية وأقل تكلفة. كذلك فإن التكاليف السياسية والمالية لوضع تشكيلات برية واسعة في القتال يعني ببساطة أن القوة الجوية أصبحت الأداة العسكرية لمفضلة، ويعود الفضل في جزء كبير من هذا إلى الخيال القانوني للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي الذي يعتبر أن الضربات الجوية لا تمثل انتهاكا لسيادة البلد المستهدف.
التطورات المذكورة أعلاه عززت من أهمية قوات العمليات الخاصة في جميع أنحاء العالم، وروسيا ليست استثناء في ذلك. حيث أنه لا يمكن استخدام القوات التقليدية بسبب عدم قدرتها على العمل بشكل سري، وأيضا بسبب مخاطر التصعيد السياسي والعسكري بما يشكله مثل هذا التصعيد من تكاليف مرهقة من الناحية العسكرية أو السياسية، لذلك أصبحت قوات العمليات الخاصة اختيارا جذابا. وقد أظهرت قوات العمليات الخاصة الروسية قدرة عالية وتحت وصف “الرجال المهذبين” في شبه جزيرة القرم، ضمنت حق الناس بممارسة حقهم في التصويت في مناطقهم لاختيار مستقبلهم. إن وجود قوة كبيرة من الخبراء المدربين تدريبا عاليا كان كافيا لردع محاولات القوميين الأوكرانيين “لعرقلة العملية السياسية السلمية من خلال الطريقة التي تمكنوا فيها من السيطرة على الوضع في أوديسا في مقر بيت النقابات. كما مكنتهم المهنية العالية من السيطرة على كل موقف عرضي مع القوات الأوكرانية في شبه الجزيرة وحله وديا وبالحد الأدنى من الخسائر البشرية.
صعود الإرهاب الدولي أبقى قوات العمليات الخاصة الروسية في عمل نشط منذ العام 1990، وبالتحديد أثناء الصراعات في الشيشان وداغستان. حيث اكتسبت هذه القوات خبرات عالية في مكافحة التمرد، والتي ستثبت كما نأمل القدرة الكافية لردع عمليات تسلل “الدولة الإسلامية” إلى أراضي الاتحاد الروسي أو أراضي حلفائه، وخاصة وأد عمليات الدولة الإسلامية بشكل فعال في مهدها.
الشركات الروسية الخاصة أثبتت أيضا براعتها في تحقيق فعالية عالية للقوة الجوية الروسية في سوريا من خلال تحديد أماكن الإرهابيين بدقة عالية، حيث استطاعت الطائرات والذخائر إصابة أهدافها بدقة تامة. ضابط العمليات الخاصة ألكسندر بروخيرنكو، الذي أدى مهمة مراقب لتحديد الأهداف الجوية في سوريا والذي قتل في المعركة، يوضح أهمية وخطورة هذه المهمة.
نفذت هذه المهمات وحدات “سبيتسناز” التابعة لمديرية المخابرات الرئيسية التابعة لهيئة الأركان العامة الروسية (GRU). وتقديرا لأهمية العمليات الخاصة في الصراعات المستقبلية، شكل الاتحاد الروسي قيادة قوات العمليات الخاصة (KSSO)، الذي بدأ العمل فيها في عام 2012 في الوقت المناسب للتأثير على الوضع الدولي سريع التدهور. والمقصود من إنشاء قيادة قوات العمليات الخاصة KSSO هو إنشاء كادر من كبار الضباط من ذوي الخبرة الذين سيشاركون في التخطيط العملياتي على المستوى الاستراتيجي، وتعزيز المعايير الموحدة في العقيدة والتدريب، وبصفة عامة تسليط الضوء على قوات العمليات الخاصة في الجيش الروسي.
اعتبارا من مطلع عام 2016، كان في قيادة قوات العمليات الخاصة KSSO، 7 ألوية “سبيتسناز”، وفي كل منها من 4 إلى 6 مفارز سبيتسناز، وبلغ مجموعها العام حوالي 1000 عنصر. سيتم تشكيل لواءين إضافيين بحلول عام 2020، وسوف يزداد عدد قوات العمليات الخاصة المخصصة للمناطق العسكرية المختلفة، على الرغم من أن سيطرة قيادة قوات العمليات الخاصة KSSO لن تمتد إلى الحرس الوطني لكنها ستخصص مفارز من القوات الخاصة البحرية.
بسبب المطالب العالية لمهامهم، فإن قوات “سبيتسناز” تخضع لعملية اختبار وتدريب طويلة. نظرا للتدريب المظلي والتدريب على الأنواع المختلفة من العربات المدرعة الخفيفة ذات العجلات مثل TIGR أو BTR-82A، وكذلك سيارات الدفع الرباعي الخفيفة وسيارات الطرق الوعرة، لتستطيع هذه الوحدات أن تمتلك قدرة التنقل الاستراتيجي والتشغيلي العالية، وبسبب عدم وجود الدعم المدفعي فإن هذه القوات لا يمكنها البقاء في معارك طويلة دون دعم من قبل الميليشيات أو الجيوش الصديقة، أو القوات المحمولة جوا والتي تمثل المستوى التالي من التصعيد.

علما أن الحصة عرفت أسئلة من بعض المشاركين كاللواء بوركين مدير مصالح العمليات الخاصة الروسية والجغرافي نيكولاي سكاروف – مدير المعهد القومي الروسي للدراسات الجيوعسكرية -.
د. بلهول نسيم
أخوكم: أبن السريان

موقع نسور السريان
صورة

أضف رد جديد

العودة إلى “خواطر ومقالات عابرة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 4 زوار