تعليقات تاريخية على مقال ” سوريا ليست عربية “

تعليقات تاريخية على مقال ” سوريا ليست عربية ”
هنري بدروس كيفا
لقد نشر أحد الإخوة الغيورين على صفحتي هذا البحث للكاتب الأب حبيب دانيال و قد طالعت هذا المقال و أحببت أن أوضح بعض النقاط المهمة في تاريخ سوريا القديم .
لقد نشر الدكتور روجيه شكيب الخوري تعليقا قيما أشار فيه الى
أن العرب المسلمون لا يشكلون ٨٠ بالمئة من المسلمين في العالم
كما ذكر الأب حبيب دانيال . و قد شرح الدكتور روجيه إختلاف
العلماء العرب أنفسهم في التعريف بالعرب و الهوية العربية !
كتب الدكتور روجيه ” تحديد العروبة او العرب كانت غامضة وما زالت ولا أحد يقنع الآخر بما تعنيه كلمة عربي…وكلّ يغنّي على ليلاه وحتّ العرب مختلفون على أي معنى لها !! ؟؟!”
إنني أفضل التمييز بين ” عربي ” و ” عروبي ” و ” مستعرب بمعنى
يتكلم اللغة العربية “! فالعربي هو كل إنسان ينتمي تاريخيا الى الشعب
العربي الأصيل و نحن نرى أنه لمن الطبيعي أن يفتخر العربي بمنجزات
أجداده ! أما ” العروبي ” فهو كل إنسان يدعي بإنتمائه الى العرب !
و ما أكثرهم خاصة بين المسيحيين المشارقة !
أخيرا شكرا للدكتور روجيه شكيب الخوري على ملاحظته بأن الأب
حبيب دانيال لم يذكر الآراميين في سوريا مع أنهم سكان سوريا الأصيلين
الذين شكلوا فيها أكثرية ساحقة منذ حوالي ١٢٠٠ سنة قبل الميلاد
إلى مجيئ الفرنج أي لفترة طويلة جدا حوالي ٢٥٠٠ سنة !
أولا – غموض غير مقصود في العنوان !
أ- عندما يطلع القارئ على العنوان ” سوريا ليست عربية ” سيظن
أن الأب دانيال يتكلم عن سوريا التاريخية و لكنه في الواقع يقصد
سوريا المعاصرة .
ب – يقوم بعض العروبيين في ترويج نظريات خاطئة ( غير علمية )
حول الشعوب الشرقية القديمة مثل الأكاديين و العموريين و الكنعانيين
و الآراميين مدعين بأنهم من العرب القدامى .بالنسبة لهم سوريا هي
عربية قبل الإسلام بألوف السنين !

ج – الأب دانيال يؤكد أن سوريا المعاصرة ليست عربية لأنها في
تاريخها القديم لم تكن عربية و لكنه قد ذكر في حديثه عن تاريخ العرب:
” وأعتقد أن الجماعات العربية المتواجدة قديماً في بعض نواحي بلاد الشام والعراق وفي إيران وتركيا وبعص المناطق الإفريقية هم عرب هاجروا من الجزيرة لأسباب عديدة أهمها الجفاف ”
* القبائل العربية القديمة لم تصل الى أسيا الصغرى ( تركيا اليوم )
في تاريخهم القديم ! أما إذا كان يقصد منطقة بيت عربايا و عاصمتها
نصيبين فإنني سأشرح لاحقا…
* القبائل العربية لم تصل الى إيران و حتى إفريقيا في التاريخ القديم !
أقصد إنهم يتنقلوا كبدو رحل في تلك المناطق البعيدة !
* هنالك حقائق تاريخية لا أحد يستطيع أن ينكرها و هي أن بعض
القبائل العربية القديمة كانت تتنقل في البادية السورية و قد ورد أقدم
ذكر للتسمية العربية في كتابات ملوك أشور التي تتحدث عن معارك
قرقر سنة ٨٥٣ ق٠م و بعدها …
* هذه القبائل العربية القديمة لم تستوطن أي لم تستقر في سوريا
القديمة أي بلاد آرام و لكنها كما ذكر الأب دانيال كانت جماعات
تتنقل بين الصحراء العربية و البادية السورية !
ثانيا – من هم سكان سوريا القدامى ؟
كتب الأب دانيال تحت عنوان سوريا والهجرات العربية ما يلي:
” تعود أقدم الآثار البشرية في سوريا لمليون عام، وتتالت على أرضها عدد من الحضارات القديمة، بقيت ماثلة من خلال الآثار والأوابد التاريخية الماثلة إلى اليوم، ومن هذه الحضارات السومريين والآشوريين والفينيقيين فضلاً عن السلوقيين والرومان فالبيزنطيين والأمويين والعباسيين والصليبيين فالعثمانيين.”
أ – هذا النص غير واضح إذ خلط بين إنتشار حضارات الشعوب
و تواجدها الفعلي ( الإستيطان ) في سوريا ! مثلا لقد إنتشرت اللغة
الأكادية و الكتابة المسمارية في الألف الثاني في سوريا القديمة و لكن
الشعب الأكادي لم يكن مستوطنا في سوريا القديمة ! العموريون هم
الذين سكنوا في سوريا في الألف الثاني و لهذا السبب بعض كتابات
ملوك أشور كانت تسمي هذه المنطقة ” بلاد عمورو ” و البحر المتوسط
” بحر عمورو “!
ب – السومريون لم يستوطنوا سوريا القديمة و حضارتهم لم تؤثر كثيرا
على سكان سوريا القدامى ! الحضارة الأكادية أثرت بقوة على سكان
سوريا في ذلك الوقت لأن الشعوب الأكادية و العمورية و الكنعانية
و الآرامية كانت شرقية ( أي سامية ) أي من سكان الشرق الأصيلين !
ب – كتب الأب دانيال ” وتتالت على أرضها عدد من الحضارات القديمة، بقيت ماثلة من خلال الآثار والأوابد التاريخية الماثلة إلى اليوم”
و المشكلة أنه يذكر الأشوريين مع أن الأشوريين لم يستوطنوا في سوريا
و بالتالي لم يتركوا فيها آثارا و أوابد تاريخية ! إلا بعض النصب التذكارية على مصب نهر الكلب و هي لا تمثل شيئا بالنسبة الى
الأثارات الكنعانية و خاصة الآرامية في كل آراضي سوريا !
ج – المشكلة الكبيرة هي أن الأب دانيال لم يذكر العموريين سكان
سوريا في الألف الثاني ق٠م ثم الآراميين الذين أسسوا عدة ممالك
في سوريا خاصة مملكة آرام و عاصمتها دمشق من حوالي ١٢٠٠ق٠م
الى ٧٣٢ ق٠م
د – إن إنقسام السريان أحفاد الآراميين إلى سريان ملكيين أي تابعين
لتعاليم مجمع خلقيدونيا ( أي أبناء كنيسة الموارنة و الروم اليوم ) و
سريان مناهضين لمجمع خلقيدونيا ( أبناء كنيسة السريان الأرثودكس )
سوف يسهل سقوط سوريا بيد العرب المسلمين !
ه – لم يكن يوجد إحصاءات في التاريخ القديم و لكنه من يدرس تاريخ
الشرق الوسيط يجد أن السريان في سوريا و العراق و بالرغم من إنتقال
الملك و عاصمة العرب الى مدينتي دمشق و بغداد كانوا يشكلون
أكثرية سكانية !
ثالثا – هوية سورية معاصرة أم هوية عربية ؟
أ- لا شك أن المؤرخين العرب كانوا يستخدمون تسمية بلاد الشام في
مصادرهم القديمة و لكن يجب أن نعلم أن سكان سوريا ظلوا محافظين
على إسم سوريا ! إذا كان المسيحيون في سوريا هم حوالي ١٠ بالمئة
من سكان سوريا اليوم فإنهم كانوا يشكلون في بداية القرن التاسع عشر
أكثر من ٢٠ بالمئة و هذه النسبة تزداد كلمنا تعمقنا في الزمن !
المسيحيون ظلوا يستخدمون التسمية سوريا حتى التاريخ الحديث ,
و أكبر برهان هو أسماء الجمعيات الثقافية و الأدبية في بلدان الإغتراب
في نهاية القرن التاسع عشر كانت تستخدم تعبير سوريا و الصفة
السورية و ليس العربية !
ب – ” المملكة العربية ” هدف الشريف حسين و لكن خطة إنكليزية !
لا أحد يستطيع أن يتلاعب بالحقائق التاريخية فالشريف حسين لم
يكن يحلم بإنشاء مملكة عربية حديثة تضم الحجاز و الشرق القديم !
و لم يكن يرغب في الثورة ضد العثمانيين رغم سياسة التتريك الظالمة !
كان الإنكليز يتخوفون أن يعلن السلطان العثماتي جهادا مقدسا ضدهم
و ضد فرنسا فوعدوا الشريف حسين بإنشاء مملكة عربية تعيد أمجاد
العرب !
لم يكن سكان سوريا في بداية القرن العشرين يحلمون بإنشاء مملكة
عربية مستقلة و رغم سياسة التتريك التي مارستها جمعية الإتحاد
و الترقي بعد إنقلابها على السلطان عبدالحميد سنة ١٩٠٨ م !
بعد إعلان ثورة الشريف حسين إشتد ظلم الأتراك لكل من يتكلم اللغة
العربية و رفعت المشانق في دمشق و بيروت لكل من طالب بإصلاحات
فظلم الأتراك دفع بالعشرات من السوريين إلى الهرب من العسكر العثماني
و الإنضمام الى ثورة الشريف حسين التي ستعرف بالثورة العربية !
خداع الإنكليز و الفرنسيين( إتفاقية سايكس بيكو) و فيما بعد
إنشاء دولة إسرائيل سوف تدفع سكان سوريا للعمل من أجل إنشاء
دولة قوية . الجدير بذكره أن الأمير فيصل سيعلن نفسه ملكا على
سوريا و لكن فرنسا الدولة المنتدبة ( المستعمرة ) سوف تنتصر عليه
في معركة ميسلون في ٢٤ تموز سنة ١٩٢٠ !
ج – لم ينتشر الوعي القومي بين الأوساط السورية في نهاية القرن التاسع عشر و لكن خلال و بعد الحرب العالمية الأولى سيزداد
نمو الشعور بالإنتماء السوري العربي ! الإنتداب الفرنسي ( إستعمار
مبطن ) سيخلق قضية جديدة للسوريين و هي التخلص من الإنتداب
الذي حاول تقسيم سوريا الى عدة مناطق للتحكم عليها .
د – ” سوريا الكبرى ” ؟
الحزب القومي السوري يؤمن و يروج لهذه التسمية ” سوريا الكبرى “.
و صار الناس يفكرون أن هذا التعبير هو إسم جغرافي قد أطلق فعليا
على سوريا في تاريخها القديم . طبعا لا يوجد أي ذكر جغرافي أو تاريخي
لتعبير ” سوريا الكبرى ” ! هذا التعبير هو حديث جدا و قد يكون من
مخيلة المفكر أنطون سعادة و هو يشبه كثيرا مشروع ” المملكة العربية “!
الخاتمة
أ – نعم سوريا في تاريخها القديم لم تكن عربية و إن تنقلت بعض
القبائل العربية في البادية ( السورية ) و البادية تمتد من سوريا الى
شمال المملكة العربية السعودية !
ب – سوريا القديمة كانت أرامية بسكانها و حضارتها و لغتها و أكثرية
الآثار من الألف الأول ق٠م هي آرامية ! و لا تزال اللهجات المنتشرة
في مناطق سوريا متأثرة جدا باللغة الآرامية أو السريانية !
ج – الأب حبيب دانيال يتكلم عن الأشوريين و لغتهم كأنهم ” إتنية ”
تتحدر من الأشوريين القدامى و يبدو أنه لا يعرف أنهم سريان مشارقة
يتكلمون اللغة السريانية و ليس الأشورية !
د – الأب دانيال يرفض أن تسمى سوريا ب ” الجمهورية العربية السورية”
و لكنه لا يشرح الدوافع و في خاتمته يردد :
” فسوريا هي نسيج متنوع من الاتنيات والعرقيات لا يمكن طمسها أو تذويبها في أكترية عربية بحكم اللغة والدين. وتسمية ” العربية ” هو انتهاك خطير وخطأ تاريخي …”
من المؤسف أنه يردد ” الاتنيات والعرقيات ” و لا يذكر الهوية
السريانية الآرامية التي يتحدر منها جميع مسيحي شرقنا الحبيب !