الشعر الفلسفي السرياني

الشعر الفلسفي السرياني

الشعر الفلسفي السرياني
Bashir M Altorle
بقلم المثلث الرحمات المطران مار غريغوريوس بولس بهنام مطران بغداد:-

الشعر السرياني ، شعر الروعة والعظمة والجلال ، وروضة تتماوج فيها أزاهير الدين والفضيلة والتقوى ، متأثرة بنسيمات لطيفة هبت عليها من نفوس ،هبطت الى هذه الارض، شعلا من القداسة والنور، وارتفعت عنها بعد ان عبقت الخافقين بعبيرها المنعش ، ذاك العبير الذي لا زال الى الآن يتضوع في قلوبنا ، ونفوسنا ، ويتمشى بلطف ودلال في كنائسنا ومكاتبنا ومدارسنا ، وقصورنا واكواخنا .
هذا ، اذا القينا نظرة عامة الى الشعر السرياني . أما اذا أردنا حصر أنظارنا في شعرنا الفلسفي ، فلا نعدم شعرا يرفع نفوسنا من حضيض المادة الى الملأ الأعلى لما يتخلله من الافكار الروحية السامية ، والفكر الفلسفية العالية ، والآراء الحكمية العجيبة ، الى ما هنالك من معاني ، السمو والعظمة والكمال .
وشعرنا الفلسفي ثلاثة اقسام كبرى ، قلما جمع بينها شاعر بمفرده ، لذلك نراها مبثوثة هنا وهناك في دواوين شعرنا منذ القرن الرابع الى انصرام القرن الثالث عشر .
القسم الاول :يشمل القصائد الحكمية ، والامثال ، والمواعظ الشعرية ، والتزهيد ، وهذه أمور تتعلق بالدين والأخلاق ، وقد أكثر منها شعراؤنا الاقدمون اكثارا مدهشا بحيث اصبحت كأنها الهدف الوحيد لمعظم الشعر ، اعتبارا من القرن الرابع الى نهاية العصر الذهبي للشعر السرياني .
وفرسان هذا الميدان ثلاثة ، لا يجارون ، ولا يشق لهم غبار ، وهم وان كانوا يتفاوتون بالانتاج ، الا انهم يسيرون في طليعة الرعيل الاول بين جميع شعرائنا الاقدمين والمتأخرين، وهم مار افرام السرياني ، واسحق الآمدي ، ومار يعقوب السروجي .
ان مار افرام السرياني ، يحمل المشعل الشعري الوضاء امام جميع شعرائنا لما هبط عليه من الوحي الالهي في هذا المضمار ، فأصبح قبلة الانظار ،في الاوساط الادبية والروحية للغة السريانية ، فتراه تارة ،كأنه يناجيك من بين ذرات النسيم ، مازجا بين عباراته ارجا عباقا قلما نستطيع تصوره في رياض هذا العالم ، وطورا ، يهدر كالبحر الخضم ، فيملأ قلبك رهبة وخشوعا واحيانا يناديك من أعالي السماء ، كالبوق الرهيب تتبعه صاغرا ، وتود لو تستطيع ترك جسدك هنا ، على حضيض الحياة ، وفوق حطام الدنيا لتطير معه بروحك الى الملأ الأعلى .
أما شعره الحكمي والروحي ، فتراه مبثوثا في معظم قصائده الغزيرة مثل ميمره في
” العلم ” حيث يرسل فيه الحكمة سائغة كالماء السلسبيل ،ويقدمها للشباب صافية عذبة بكؤوس من نور ، وفيها من الآيات البينات ن والعظات البالغات ، ما لانستطيع حصره في ابحاث طويلة مشبعة ، وقصيدة ” الجوهرة ” ويريد بها الايمان ، وقصيدته في سمو الخالق ، وقصيدته في التثليث والتوحيد التي يورد فيها امثالا حكمية مدهشه تصلح ان تسير بين الناس كانفس الاقوال واعلى الحكم ، وبعض ما يقول فيها :ـ
” انى للملاح ان يخضع البحر لإرادته ، لان الملاح يأمل شيئا واللجة تعمل شيئا آخر ، وكأني بالشاعر العربي سرق منه فكرته عند قوله :
” ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ”
الى ما هنالك من الامثال ، والحكم ، والمواعظ ، الامور التي يستحيل حصرها بسطور مثل هذه .
ونرى اسحق الملفان يسير في ركاب استاذه مار افرام ، ويتحفنا بقصائد لا تقل روعة وجلالا عن قصائد معلمه ، لايسعنا في سطورنا هذه المرور على شئ من روعته الشعرية الحكمية ، ومن قرأ قصائده يدرك ذلك .
اما مار يعقوب السروجي فهو الشاعر العجيب الغزير الذي يمسك الطرف الثاني من علم الشعر السرياني تجاه مار افرام ، وقصائده في الاخلاق والمواعظ والتزهيد تدهشك عندما تدخل رياضها العابقة بالارج والسحر الحلال ، او عندما تنزل الى بحره الخضم ، فتهبط الى اعماقه مصعوقا مسحورا لا تلبث ان تنسى نفسك وتتصور ذاتك روحا طاهرة ، مجنحة طائرة بين ارواح الملائكة ، وابطال الحقيقة الخالدين .
أما القسم الثاني من الشعر الفلسفي . وهو الشعر المنطقي ، فيحمل لوائه اسحق وحده، ويتصرف به كيف شائت العبقرية الفذة ،بل ما أمره الوحي الشعري ان يفعل ، وينذرع بهذا النوع من الشعر في قصائده الايمانية التي قرع بها المبتدعين ونعى عليهم افكارهم السقيمة وآرائهم المضادة للحق القويم ، وهذه قصيدته في الايمان تريك شعرا عذبا جميلا تتخلله اقيسة منطقية باشكال كثيرة .
اما القسم الثالث من الشعر الفلسفي ، وهو الدائر حول النفس وحالاتها الروحية ، واصلها، وسيرها في الحياة ، وعروجها الى السماء الى خالقها بشوق وحب عارمين ، وتطهيرها من اردان هذا العالم ، فنرى لدينا فارسين في هذا الميدان ، وهما شاعرنا الفيلسوف ابن المعدني ، والشاعر العبقري الفذ ابن العبري ، وكلاهما يجري فيه نحو الذروة العليا مرتفعا على اجنحة الروح ،حتى يبلغا الى اوج السماء .
ابن المعدني شاعر مفكر،يطلق العنان لتفكيره ، فيظهر لك آفاقا سحرية من الروحية والسمو والجمال ، وابن العبري فيلسوف محلق ، وشاعر مبدع ،لاتسعه آفاق هذه الحياة ،لذلك يطلب في عوالم الروح آفاقا جديدة مشرقة تتلامع فيها شموس الحقيقة ومصابيح الهدى .