النعوت التاريخية للمصطلحات الكنسية، ج١

النعوت التاريخية للمصطلحات الكنسية، ج١

موفق نيسكو

النعوت التاريخية للمصطلحات الكنسية، ج١

النصرانية، الجامعة، النسطورية، الأوطاخية، الخلقيدونية واللاخلقيدونية، الديوفيزية والمونوفيزية، مجمع اللصوص ومجمع الأثمة أو الذئاب، الروم الملكيين،، الأرثوذكسية والكاثوليكية، اليعقوبية

يختلط الأمور على كثير من الكُتَّاب باستعمال مصطلحات وألقاب ونعوت كنسية متداولة في التاريخ دون معرفة معناها، أو متى، أو كيف أطلقت، وهذا الأمر يشمل كثير من الكتاب المسيحيين أيضاً، لذلك نوضح بعض هذه المصطلحات:

(النصارى، الجامعة أو الكاثوليكية): النصارى كلمة أطلقها اليهود في بداية المسيحية على أتباع السيد المسيح من اليهود الذين اعتنقوا المسيحية حصراً، نسبة إلى مدينة الناصرة التي عاش فيها المسيح وفق التقاليد الشرقية بانتساب الشخص لمدينة نشأته، وحاول اليهود المتعصبون الذين اعتنقوا المسيحية إحداث مشاكل بتميز أنفسهم عن المسيحيين من الأمم الأخرى كاليونان والرومان والفرس وغيرهم، وعَدُّوا أنفسهم أن لهم حق السيادة والرئاسة على المسيحيين جميعاً، وامتنعوا عن الاختلاط مع المسيحيين من أصل غير يهودي، واستعملوا إنجيل متى فقط المكتوب بالسريانية، وكانوا يُسمُّونه إنجيل العبرانيين، وفرضوا شروطاً على المؤمن المسيحي مثل أن يُمارس المسيحي الناموس الموسوي القديم كحفظ السبت والختان، وتحريم بعض المأكولات، والاتجاه بالقبلة إلى أورشليم عند الصلاة بدل قبلة المسيحيين التي هي الشرق، وغيرها، وهؤلاء اليهود المتنصرين هم الذين يُسَمَّون نصارى، وهم يختلفون عن المسيحيين، وقد حدثت بينهما مشاكل كثيرة عُقد على أثرها مجمع كنسي سنة 51م (بعض المصادر 49م) لحل المشاكل، لكنه لم ينهي الخلاف بالكامل، وقد تحدث بولس الرسول عن ذلك الخلاف الذي وصل بينه وبين بطرس حيث اتهم بولس بطرس بالرياء ولامه لأنه جامل اليهود المتنصرين على حساب المسيحيين من الأمم الأخرى (رسالة بولس 2 إلى غلاطية، إصحاح 2: 11-14)، ونتيجة الخلاف اضطر بطرس أن يرسم في أنطاكية أسقفين هما أفوديوس للأمم من غير اليهود، وإغناطيوس النوراني +107م للمسيحيين من أصل يهودي، توفي أفوديوس سنة 68م وبقي إغناطيوس الذي حَلَّ المشاكل بين الطرفين وعمل اتحاداً بينهما وأعلن لأول مرة أن كنيسة أنطاكية السريانية هي كاثوليكية، أي جامعة لكل الأمم، ولا فرق بين مسيحي من أصل يهودي أو من الأمم الأخرى، وأنَّ المعمودية هي المميز الأساسي للمسيحي وليس الختان..إلخ (ملاحظة مهمة: لا علاقة لكلمة كاثوليك هنا بكنيسة روما التي اسمه في التاريخ كنيسة روما فقط، واقترن اسمها بكاثوليك في القرون الأخيرة لغرض تميزي كما سيأتي)، والجدير بالذكر إن كلمة نصارى أُطلقها العرب قبل الإسلام على المسيحيين من أصل يهودي ومنهم السريان الشرقيين النساطرة (الكلدان والآشوريين الحاليين الذين يُسمون أنفسهم نصارى لدلالة أنهم ينحدرون من أصول يهودية)، وبعد الإسلام شاع استعمالها لتعني مسيحي، واستعملها بعض الكُتَّاب المسيحيون بهذا المعنى أيضاً، باستثناء النساطرة حيث استعملوا كلمة نصراني للتأكيد على أنهم ينحدرون من بني إسرائيل.

(النسطورية): نسطور، سرياني ولد سنة 378م في قرية مرعش وترهَّبَ في دير أوبريبوس على باب أنطاكية، ورُسم كاهناً لإحدى كنائس أنطاكية، ولذكائه ولباقته اختير بطريركاً للقسطنطينية سنة 428م، وكانت لديه آراء عقائدية أخذها عن أستاذه تيودورس الأنطاكي أسقف مصيصة المعروف بالمصيصي ومُلخَّصها، أن السيد المسيح كإله متجسد، هو طبيعتان وأقنومان، إلهية وإنسانية، والسيدة العذراء لم تلد إلهاً مُتجسِّداً، بل ولدت إنساناً فقط، وهذا الإنسان حلَّت فيه الطبيعة الإلهية أو لبسَهَا أو سكنها أو اقترن بها..إلخ، وأصبح إلهاً، وفي مجمع إفسس المسكوني (العالمي) سنة 431م تم حَرمْ نسطور بسبب أفكاره، وأصبحت لنسطور عقيدة خاصة تُسَمَّى، العقيدة النسطورية، تَبنَّتها كنيسة المشرق السريانية فقط (الكلدان والآشوريون حالياً)، ولهذا دُعيتْ بالنسطورية، علماً أن أتباع كنيسة الكلدان حالياً هم السريان النساطرة الذين انشقوا عن الكنيسة النسطورية واعتنقوا الكثلكة سنة 1553م فسمتهم روما كلداناً، وثبت اسمهم في 5 تموز1830م، بينما بقي القسم الآخر إلى اليوم نساطرة وهم الذين سَمَّاهم الإنكليز آشوريين سنة 1876م، وثبت اسم أحدى كنائسهم فقط، آشورية، في 17تشرين أول 1976م، أما الشق الآخر النسطوري فلا يزال يرفض التسمية الآشورية.

(الأوطاخية): نسبة إلى كاهن القسطنطينية أوطيخا الذي حَرَمته الكنيسة في مجمعي القسطنطينية 448م، وخلقيدونية 451م، لأنه على عكس نسطور،أي أنه ألغى الطبيعة الإنسانية للمسيح وقال بطبيعة واحدة إلهية ذابت فيها الطبيعة الإنسانية واختلطت وامتزجت وتبلبلت خواصهما، ولا يوجد في التاريخ طائفة تبنَّت العقيدة الأوطاخية.

(خلقيدونية، ولاخلقيدونية): نسبة لمجمع خلقيدونية الشهير سنة 451م الذي بسببه انقسمت المسيحية إلى اليوم، فخلقيدونية تعني الذين قبلوا قرارات مجمع خلقيدونية، وتشمل الكنيسة الكاثوليكية وكذلك الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية كاليونان، روسيا، بلغاريا، رومانيا، صربيا..إلخ، أيضاً كنيسة السريان الملكيين أي الروم..إلخ، ومصطلح لاخلقيدونية، تعني الذين رفضوا مجمع خلقيدونية، وتشمل كنائس الأرثوذكس: (السريان وبضمنها الهند، الأقباط وبضمنها أثيوبيا وأرتيريا، والأرمن)، والحقيقة إن هذا المصطلح هو الصحيح للتفريق بين أهم نقطة في العقيدة المسيحية، وليس مصطلحا، الكاثوليكية والأرثوذكسية، فكنيسة روما الكاثوليكية، وكنيسة القسطنطينية الأرثوذكسية التي تشمل (اليونان، روسيا، بلغاريا..إلخ)، كلاهما خلقيدونتيان، أي أن الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، الروسية، البلغارية..إلخ، هي مطابقة لعقيدة الكاثوليك، وتختلف عن عقدة الأرثوذكس اللاخلقيدونيين، أي السريان والأقباط والأرمن.

(الديوفيزية والمونوفيزية، وأحياناً بالسين، ديوفيست، مونوفيست): كلمات يونانية الأولى تعني أصحاب الطبيعتين، أي الخلقيدونيين (الكاثوليك والأرثوذكس البيزنطيين)، والثانية تعني أصحاب الطبيعة الواحدة أي اللاخلقيدونيين (السريان، الأقباط، الأرمن، والأحباش)، وهذان اللقبان صحيحان إذا استعملا بحسن نية، أي إذا كان المقصود بالمونوفيزين من يؤمنون بالطبيعة الواحدة من اتحاد طبيعتين، فهو استعمال صحيح، أمَّا إذا كان المقصود بها العقيدة الأوطاخية المحرومة من الطرفين، للدلالة على (السريان، الأقباط، الأرمن، والأحباش) فهو استعمال خاطئ، أو أن استعماله من الخلقيدونيين على اللاخلقيدونيين هو مُتعمَّدْ وبسوء نية لغرض الاستهجان بهم. وفي نفس الوقت فإن استعمال كلمة الديوفيزية على الكاثوليك والأرثوذكس الخلقيدونيين، هو صحيح إذا كان المقصود منه أنهم يؤمنون بطبيعتين في أقنوم واحد، أمَّا إذا كان المقصود به أنهم يؤمنون بطبيعتين وأقنومين بحسب عقيدة نسطور المحروم من الطرفين، فهو خطأ، أو أن استعماله من اللاخلقيدونيين على الخلقيدونيين هو مُتعَمَّدْ وبسوء نية لغرض الاستهجان بهم، فاللاخلقيدونيون والخلقيدونيون يحرمون أوطاخي ونسطور، وتعبير الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد استعمله الخلقيدونيون مراراً بدءاً من مجمع القسطنطينية سنة 553م، واللاخلقيدونيون يؤمنون بطبيعة واحدة للكلمة المتجسد من طبيعتين ويستعملونه مراراً، فالطرفان متفقان في المعنى ومختلفان في التعبير، وكل ما في الأمر أن اللاخلقيدونيين يُركِّزون على كلمة واحدة خوفاً من تقسيم المسيح إلى اثنين كما قال نسطور، والخلقيدونيون يُركِّزون على كلمة اثنين خوفاً من اختلاط الطبيعتين بطبيعة واحدة كما قال أوطيخا.
وفي التاريخ وإلى اليوم هناك من استعمل ويستعمل المونوفيزية والديوفيزية بحسن نية، إمَّا للاختصار أو لكتابة الكلمة العربية بلفظها اليوناني، أو استعمالها بغير قصد، أي لا يعرف الحقيقة خاصة من العرب والمسلمين الذين أخذوا هذه الألقاب واستعملوها، وعموماً تم استعمال اللقبين من الكُتَّاب المسيحيين وهم يعرفون الحقيقة، وكل طرف استعملها استهجاناً بالآخر، و والملاحظة المهمة التي يجب الانتباه إليها هي أن أي كاتب يستعمل لقبي المنوفيزيين والديوفيزيين على الطرفين معاً، هو أمر طبيعي، أمَّا إذا استعمل الكاتب لقباً واحداً على فئة من دون الأخرى فيعني أنه مُتعَّمِد ومُنحاز ويستهجن الآخر، فإمَّا أن يستعملهما على الطرفين معاً، أو يستعمل تعابير أخرى مثل الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين، أرثوذكس وكاثوليك..إلخ، مع ملاحظة أن كلمة الديوفيزية تشمل العقيدة النسطورية أيضاً، لأن النسطورية هي أيضاً ديوفيزية، ولكن هناك فرق بين العقيدة الديوفيزية النسطورية، ولعقيدة الديوفيزية الخلقيدونية (الكاثوليكية والأرثوذكسية البيزنطية)، فالنسطورية هي الديوفيزية المتطرِّفة التي تُقسم المسيح إلى أقنومين واضحين، بينما الديوفيزية الخلقيدونية تقول إن في أقنوم المسيح الواحد طبيعتان، ولذلك فمصطلح النسطورية هو الدارج في التاريخ على العقيدة النسطورية، وقلما يُطلق عليها الديوفيزية النسطورية لأنه بمجرد قول النسطورية فهو واضح.

(مجمع اللصوص ومجمع الأثمة أو الذئاب): مجمع اللصوص، يُطلقه الخلقيدونيون على مجمع إفسس الثاني 449م لأنهم يرفضون المجمع وقراراته، أمَّا مصطلحات مجمع: الأثمة، الذئاب، المشؤم، الضالين..إلخ، فيُطلقها اللاخلقيدونيون على مجمع خلقيدونية 451م، وعلى الذين قبلوا به، واللقبان اللصوص والأثمة أو الذئاب، استعملا من الطرفين استهجاناً أحدهما بالآخر أيضاً.

(الروم، الملكية): الملكية، كلمة سريانية أطلقها السريان اللاخلقيدونيون على السريان الذين قبلوا قرارات مجمع خلقيدونية 451م استهجاناً بهم لأنهم رفضوا إيمان آبائهم السريان وقبلوا قرارات المجمع الذي انعقد بأمر ملك الروم مرقيانوس، فسَمَّوهم، الروم الملكيين أو منفرداً، الروم أو الملكيين، أي كنيسة ملك الروم في القسطنطينية، ولقب الروم أو الملكيين أُطلق عموماً في البداية على الجميع أي على كنيستي روما والقسطنطينية، كليونان والروس والبغار ورومانيا، وصربيا..إلخ، لكن بعد الإسلام أُطلق تحديداً على السريان الذين قبلوا مجمع خلقيدونية، أي على (روم أنطاكية الأرثوذكس والكاثوليك)، وأُطلق أيضاً على رعية بطريركية أورشليم المستقلة غير المرتبطة بروما أو اليونان، وأُطلق لقب الملكية بدون كلمة الروم على الأقباط الذين قبلوا بمجمع خلقيدونية ولكنهم مستقلون أي لم ينتموا لكنيسة روما أو غيرها. (انظر أسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، ج1 ص389. والأب يوسف الشماس المخلصي، خلاصة تاريخ الكنيسة الملكية، ص19، 126-128، 146. والمسيحية عبر تاريخها في المشرق، ص295).

(أرثوذكسية وكاثوليكية): كلمات يونانية، فكاثوليكية تعني العامة أو الجامعة لكل الأمم، وقلنا أن أول من أطلقها هو بطريرك أنطاكية إغناطيوس النوراني +107م، لجمع اليهود المتنصرين والمسيحيين من الأمم الأخرى تحت سلطة وعقيدة واحدة، وأرثوذكسية تعني مستقيم الرأي، والحقيقة أن هذان المصطلحان اقترنا بأسماء الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية 451م، فشاع استعمال الأرثوذكسية للكنائس الشرقية اللاخلقيدونية فقط: أي كنائس أنطاكية السريانية ومعها كنيسة الهند التابعة لها، وكنيسة الاسكندرية القبطية ومعها أثيوبيا وارتيريا، وكنيسة الأرمن، ثم بعد الانقسام الكبير بين روما والقسطنطينية سنة 1054م شاع استعمال كلمة أرثوذكسية على كنائس القسطنطينية البيزنطية (اليونان، روسيا، بلغاريا..إلخ)، وبالمقابل شاع استعمال الكاثوليكية على كنيسة روما وأصبح يقترن بها خاصة في بريطانيا بعد انقسام الكنيسة الأنكليكانية عن كنيسة روما في القرن السادس عشر، أي اسم الكاثوليك المقترن بروما دائماً أو المستعمل لوحده للدلالة عليها حصراً هو حديث نسبياً.
وكنيسة أرثوذكسية وكاثوليكية، هي كلمات تميزية فقط، فجميع الكنائس الأرثوذكسية تفتخر وتقول إنها كاثوليكية، أي جامعة لكل الأمم، وتُقرُّ بقانون الإيمان الذي يقول، وبكنيسة واحدة جامعة أي كاثوليكية)، والكنيسة الكاثوليكية أيضاً بدورها تفتخر وتقول إنها أرثوذكسية، أي مستقيمة الرأي، وفي مجمع خلقيدونية 451م، سَمَّت روما كنيستها أرثوذكسية، وإيمانها أرثوذكسي، وسمَّت البابا لاون عمود الأرثوذكسية، بل أن كلمة كاثوليكية استعملت في التاريخ أحياناً مرادفة لأرثوذكس أي بمعنى، قويم المعتقد (مجموعة الشرع الكنسي، أعمال مجمع خلقيدونية، ص366-367، وبعدها، وانظر المطران بولس بهنام، خمائل الريحان أو أرثوذكسية مار يعقوب السروجي الملفان، ص41).
وشكراً/موفق نيسكو- يتبع الجزء الثاني