حوار مع “سباستيان بروك” أبو الأدب السرياني في هذا العصر

حوار مع “سباستيان بروك” أبو الأدب السرياني في هذا العصر

حوار مع “سباستيان بروك” أبو الأدب السرياني في هذا العصر
حاوره: ريمون جرجي ( كلنا شركاء )
البروفسور”سباستيان بروك Sebastian P. Brock “هو بريطاني المولد والجنسية، أكاديمي أحب الآداب السريانية بعد أن تأكد من أنها حضارة خفية، فأخلص لها وقضى سنوات طويلة من عمره باحثاً عن المخطوطات السريانية المفقودة لينشر الدراسات والكتب العديدة عن الآداب السريانية.
في هذا الحوار ” يتحدث لكلنا شركاء في الوطن” عن زيارته لمدينة حلب وولعه بالآداب السريانية، والتاريخ السرياني، ويكشف عن حقائق تاريخية ربما تنشر لأول مرة باللغة العربية للقراء خارج نطاق غرف الاجتماعات واللقاءات الأكاديمية، كما يوجه رسالة إلى كل سريان العالم، ويتحدث عن تأثير العولمة على اللغة السريانية ويتمنى بقاء المسيحية والسريان في المنطقة، ويقترح استثمار الأماكن السياحية، وقد وصفه الكثيرون بألقاب وأوصاف كثيرة نختار منها ثلاثة نُشرت مؤخراً عن باحثين ذوي شأن كبير على الساحة السريانية في العالم المعاصر:
فقد وصفه المطران يوحنا إبراهيم: بأنه ” أبو الأدب السرياني في القرنين العشرين والواحد والعشرين”، وناداه بـ” الملفونو” وتعني الأستاذ باللغة السريانية، فكان بروك مسروراً جداً لهذا اللقب.
وقال عنه د. جورج كيراز( رائد التقانة السريانية في العالم): بأن “سباستيان بروك هو رائد الدراسات السريانية والتراث السرياني في القرن العشرين”، واستبعد أن يُنجب القرن الحالي الواحد والعشرين للعالم السرياني شخصاً يماثل بروك علماً وعطاءً وإنتاجية ووفاء للسريان وقد سُميَّ ابن كيراز البالغ 4 سنوات حالياً اسم “كينورو سباستيان” تيمناً باسم سباستيان بروك ( سباستيان بروك لم يرزق بأطفال)، و زوجة بروك تقول له دائماً : بأنه تزوج السريانية ولم يتزوجها.
و كتب الباحث السرياني هنري بدروس كيفا مؤخراً عنه ” بأن دراسات البروفسور بروك مشهورة حول التراث السرياني و اللغة السريانية المبرهنة بالمصادر السريانية وسوف تبقى مراجع علمية للأجيال القادمة وهو مؤرخ نزيه و أمين للمصادر السريانية “
نص الحوار مع “سيباستيان بروك”:
ملتقى مار يعقوب الرهاوي
إنها لمبادرة رائعة للتعريف عن هذه احتفالية مار يعقوب الرهاوي. حيث لم يسبق أن نظمت أية مؤسسة أخرى لهكذا احتفالية، وقد كنتُ مسروراً جداً لتسلمي الدعوة لحضور هذا الملتقى عن راهب من أهم علماء العالم المسيحي في الشرق في القرن السابع، فمار يعقوب الرهاوي يعبر عن تماذج و اندماج الفكر في أيامه. ففي مؤلفه “الأيام الستة للخليقة” يتحدث عن جميع العلوم كعالم الحيوان والنبات والجغرافيا والفلك. ويستخدم النصوص الكتابية لتقديم أعمال علمية بشكل مركز أكثر من الدراسات الأخرى التي ضمت الأمر نفسه.
بداية الاهتمام بالآداب السريانية
في عام 1960، لم أكن قد تخرجت بعد من جامعة كامبردج، وبدأت بتعلم أدب اللغات اليونانية واللاتينية لسنتين. بعدها درست اللغات العبرية والآرامية، ولم أكن وقتها مهتماً كثيراً بهذه اللغة بل بمواضيع أخرى مختلفة.
سافرت للمرة الأولى إلى الشرق الأوسط والى تركيا وطور عبدين وهناك قابلت أشخاصا من الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وأدركت أن هناك حضارة خفية، فالجامعة لم تقدم لنا عن تلك الفترة أية معلومات عما جرى، بل إن تاريخ هذه الكنائس ينتهي عند مار غريغوريوس يوحنا ابن العبري، ويتوقف بعده كل شيء .
التاريخ السرياني ( بعد حوالي 48 عام من الدراسة)
دائماً تحضرني المفاجآت لأنها مجال ممتع للعمل ومثير للغاية وبالرغم من أن الكثير من هذا الإرث معروف ومطبوع ومنشور ولكن هناك الكثير أيضا من الأعمال لم تطبع حتى الآن وبعضها الآخر لازال غير معروف .
فأهم الكتابات التي نشرتها وجدتها صدفة ضمن مخطوطة في المكتبة البريطانية حيث كان في تلك المكتبة واحد من أقدم فهارس المخطوطات والتي تذكر قليلاً جداً عن حياة ماكسيموس مثلاً. وقد لفت هذا انتباهي وفضولي حينما كنت ابحث عن أمر آخر تماماً، ولكنه تبين لي انه نص هام جداً عن حياة واحد من كبار الأدباء اليونان في القرن السابع “ماكسيموس المعترف” وهذا مصدر أدبي مهم لأنه وبالرغم من انه يتحدث عن تفاصيل ميلاده، فهو يذكر بأنه ولد في سورية (بالقرب من مرتفعات الجولان) بينما يذكر النص اليوناني القديم من انه ولد في القسطنطينية. إذاً هناك اختلاف في المعلومة عن مكان ولادته والتي أخذت حيزاً من نقاش الباحثين حول صحة أيهما، وقد نُشر مؤخراً بحث لأحدهم يقول بان البيئة السورية هي اقرب لحياة ماكسيموس أي أن هذا العالم هو سوري الأصل. وهذا أمر وجدته بالصدفة،
وفي مرة أخرى عندما كنت في اوكسفورد (حيث كنت أعيش هناك) و اعمل في مكتبة، وبعد ملل من العمل الطويل الذي كنت أقوم بعد وهو تجميع وفرز الأوراق بدأت ابحث في مخطوطة غير مفهرسة ولاحظت اسم “اسحق النينوي” (من القرن الرابع) دوّنت بعض الملاحظات حيث أن بعض أعماله مطبوعة . ولكن عندما كنت في المكتبة لم أعلم إذا كان هذا الجزء هو جزء جديد أو الجزء المطبوع. ذهبت إلى البيت لأبحث ووجدت أن هذا القسم هو جديد وهي مجموعة جديدة غير معروفة لأعمال هذا الكاتب الكبير. لقد نسخ راهب سرياني أرثوذكسي بعض أعماله وتُرجم البعض الآخر إلى اللغات الروسية والرومانية والعربية والفرنسية والإيطالية. ومن هنا نتأكد من أهمية النص الذي تم اكتشافه بالمصادفة.
السريان اشتهروا بالأدب والترجمة والشعر أيضاًً
السريان هم مترجمون وأدباء وأيضاً شعراء رائعون، وخاصة قصائد القرون الأولى، و أنا شخصياً أفضل شعر مار افرام السرياني ومار يعقوب السروجي وشعرهما يستحق أن يكون مادةًً للتدريس في الجامعات.
الآثار المسيحية وكيفية استثمارها
إن قلعة سمعان وقلب لوزة ( قرب حلب)هما كنزين رائعين وأقول حافظوا عليها بشكل جيد فهي تجذب السياح، ومن وجهة نظري يجب أن يجسد السريان ويوحدوا هذه المعالم التاريخية من إرث الماضي والذي لا يعلم عنه الكثير من الناس. لقد كانت فكرة إقامة القداس الإلهي في تلعدا فكرة رائعة كما كانت فكرة إعادة الطقوس الليتورجية في دير مار سمعان مؤثرة جداً، وقد رأيت صوراً عن احتفال سبق أن أقيم في كنيسة مار سمعان. وهذه طريقة جيدة لتوعية الناس بها و أن هذا جزء لا يتجزأ من تراثهم، وعلى الرغم من أنها آثار مدمّرة ولكنها شيء يجب أن يفخروا به.
أصدقاؤه في المنطقة
معظمهم من جامعة الروح القدس- الكسليك في لبنان. وحالياً أنا اعمل مع راهب من طائفة الروم الأرثوذكس وهو مهتم بشكل كبير بالجانب السرياني من تراث الروم الأرثوذكس الذي تحول إلى العربية، وهو يعمل الآن على حصر الكتابات السريانية التابعة لتقاليد كنيسة الروم الأرثوذكس حتى القرن السابع عشر، فمن المهم أن نذكر بأنه كان في كثير من المناطق الريفية (خارج المدن الكبرى) كانت اللغة السريانية لغة صلوات الروم الأرثوذكس حتى القرن السابع عشر، وكان لديهم مخطوطات تعود لألف عام لأن المخطوطات الأولى تبدأ في القرن السادس والمخطوطات الأخيرة في القرن السابع عشر. فألف عام من المخطوطات عند كنيسة الروم الأرثوذكس هي باللغة السريانية، وهذا إرث لا يعلم به كثيرون من الروم الأرثوذكس، وقد سمعت شائعات انه أحيانا عندما يرى رهبان الروم الأرثوذكس كتابات باللغة السريانية يعتقدون أنها مغالطات فيحذفونها، ولكنها بالفعل هي جزء من إرثهم هم أيضا. واعتقد انه من المهم (كما أقول دائماً) أن تحاول الكنائس التي تنتمي ليتورجياتها إلى المنطقة السريانية ومن ضمنها كنيسة الروم الأرثوذكس أن تدرك تماماً ماهية الإرث السرياني، فمن خلال هذا الإدراك يمكنهم التقرب من بعضهم بواسطة هذا الإرث المشترك.
رسالة إلى كل سريان العالم
من المهم أن تتعلموا أكثر عن تراثكم، وتفخروا به لأنني أنا أفخر به أيضاً وأنا الذي درست هذا الإرث عن بعد فقط ولكني اشعر به تماماً، واخبروا الجميع عنه لكي تجعلوه معروفاً للآخرين.
لأن جزءاً من المشكلة هو أن القليل جداً من المعلومات الجيدة متوفر. وقد طلب مني المثلث الرحمة المطران عيسى جيجك لأنقح مجلدات ” اللؤلؤة المكنونة The Hidden Pearl”. وعندما كنت أتحدث معه عن كيفية تصميمها قلت له إنني أود أن تكون هذه المجلدات كموسوعة مصغرة عن التراث السرياني، والتركيز الأكثر على السريان الأرثوذكس لأنهم كانوا وراء هذا العمل. فأجابني موافقاً واصفاً الفكرة بأنها رائعة. وأنا آمل أن تقدم هذه المجلدات على الأقل موجز عن المناطق المختلفة التي كان للتقليد السرياني فيه الكثير من المساهمات والتأثير في حضارة العالم آنذاك.
تأثير العولمة على اللغة السريانية
إنها مشكلة صعبة جداً وهي مشكلة لجميع القوميات والجنسيات، فللعولمة جوانب ايجابية وجوانب سلبية مثل غيرها، ونحن بحاجة لأن نستفيد من الجوانب الجيدة ونتجنب الجوانب السيئة. والجانب الايجابي هو عن طريق شبكة الانترنت التي أصبحت توفر المعلومات بشكل أسهل و يمكننا الحصول عليها عن طريق الانترنت ولهذا فمن الضروري جداً أن نتطور مع الانترنت لنوفر مواقع تنشر التراث السرياني من مختلف جوانبه وتكون مواقع معلوماتية دقيقة ومقدمة بشكل جيد.
وجود اللغة السريانية مع المسيحية في الشرق
اعتقد أنا هذا يعود للناس في جيلنا نحن، فعليهم أن يشجعوا الآخرين على تعلم اللغة السريانية واستعمالها. أنا شخصياً شجعني بعض الطلاب من الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. فمثلاً جورج كيراز يعلم أولاده اللغة السريانية وهو في أمريكا. وهذا شيء مشجع وحافر للآخرين.
أما بخصوص مستقبل المسيحية في الشرق فأنا آمل أن تستمر المسيحية في هذه المنطقة لأن المسيحية لن تكون يوماً خسارة على المنطقة، ولكن السؤال عن من سيبقى؟.
فشعوب المنطقة سوف تستطيع بذكائها من أن تُدرك ليس فقط أهمية الوجود المسيحي في الشرق بل انه أمر عظيم الأهمية، فإذا ما عدنا للوراء حوالي 100 أو 150 سنة فقط حين كان هناك نشاط كبير للأدب العربي في القرن التاسع عشر من قبل الكتاب المسيحيين واعتقد أن هذا شيء يجب أن نتذكره دائماً ونسجله ونجعل هذه المعلومات متوفرة للآخرين وخاصة المعلومات التي لا تصل إلى الجامعات الأجنبية، فإذا كنتَ تدرس الأدب العربي ستشعر بأن كل الأدب والأدباء هم مسلمون وهذا ليس صحيحاً تماماً (إنه أمر رهيب)، وكان عندي طلاب أجانب درسوا اللغة العربية كمادة أساسية (رئيسية) وعندما كانوا يحضرون محاضراتي بعدها اكتشفوا من أن هناك عرب مسيحيين في الأدب العربي.
اقتراحات للحكومات وللسوريين بشكل خاص
اعتقد أن ما يجب على الحكومات الحديثة في تركيا وسورية هو أن تدرك بأن حضارة الأقليات هي جزء من حضارة بلادها وهي ليست عاملاً إضافيا أو خارجياً بل إن حضارة الأقليات وخاصة في سورية هي جزء لا يتجزأ من تاريخ البلد وليس فقط الجانب السرياني بل التراث الآرامي القديم، فهناك تدمر وهي واحدة من أهم المعالم المسيحية وهي أيضا من الحضارة الآرامية وهناك اوغاريت وإيبلا وهي ليست آرامية طبعاً لكنها ضمن المجال نفسه.
انه مهم لحكومة أي بلد أن تدرك بأن الأماكن الحضارية التي تجذب السياح والغرباء هي أماكن هامة والأشخاص الذين أنتجوا هذه المعالم الأثرية الباقية، وأن الأسلاف الذين عملوا عليها يجب تكريمهم وتقديرهم.
البروفسور سيباستيان بروك في سطور:
-هو من مواليد لندن 1939، درس في جامعة كامبريدج اللغات اليونانية واللاتينية ثم العبرية والآرامية
-قدم أطروحة الدكتوراه عن الترجمة اليونانية للعهد القديم والنص التاريخي في جامعة أكسفورد، وخلالها سافر إلى الشرق الأوسط عدة مرات وقابل العديد من السريان الأرثوذكس وآخرين فبدأ بالاهتمام أكثر لأمرهم.
-انتقل إلى جامعة برمنغهام حيث قام بتدريس اللغة العبرية وتاريخ العهد القديم واليونانية في الكتاب المقدس ومواد أخرى.
وإلى جانب مقر إقامته هناك كانت هناك مكتبة، وفيها مجموعة من المخطوطات ومنها مخطوطات سريانية احضرها “الفونس مينكانا” إلى انكلترا، ممولاً من قبل ” كامبري فير”(صانع الشوكولا الشهير).فكان يقضي اوقاتاً طويلة مستمتعاً في القراءة والبحث في تلك المكتبة، ووجد فيها أمورا ممتعة ومشوقة فجذبته وجعلته مهتماً أكثر. فكان أول كتاب سرياني له نشره من هذه المكتبة ونشر بعدها كتباً أخرى عديدة من هذه المكتبة أيضاً.
-انتقل إلى كامبريدج ودرّس فيها. ثم ذهب إلى جامعة أوكسفورد المكان الوحيد في انكلترا التي تتضمن ” وقفاً خاصاً جاهزاً للتصوير pose ” فقط بالآرامية السريانية فقرر التقدم لها وحصل على الوظيفة، و بقي ثلاثين عاماً وهو يدرّس في جامعة أوكسفورد. حتى تقاعد سنة 2003 (ولكنه لازال نشطاً كعادته).
هو متزوج من ” Helen Hughes-Brock “، درست علم الآثار وهي مختصة بالعصر ” المينوسي من العصر البرونزي Minoan ” في اليونان ( آثارها وأبنيتها من أجمل آثارات جزيرة كريس، وهي تعمل على تحضير كاتالوج ضخم جداً عن ” الأختام الحجرية المينوسية “Minoan Seal Stones في متحف أوكسفورد الذي يملك اكبر مجموعة منها خارج اليونان.