مذابح السريان على أيدي النساطرة أسلاف الآشوريين والكلدان ج1 ج2 ج3الاخير

مذابح السريان على أيدي النساطرة أسلاف الآشوريين والكلدان ج1 ج2 ج3الاخير

مذابح السريان على أيدي النساطرة أسلاف الآشوريين والكلدان ج1

التاريخ ملئ باضطهاد ومذابح السريان ابتدأً من مذابح الفرس والرومان والمسلمين والأتراك أخيراً التي سميت “سيفو”، لكن المذابح وسيفو لم تكن مقتصرة على الغرباء، فقد قام النساطرة أسلاف الكلدان والآشوريين الحاليين بمذابح بحق آبائهم السريان فاقت ما قام به الغرباء.

لعب الفرس دوراً بارزاً في انفصال قسم من السريان عن كنيسة أنطاكية السريانية الأم، فاعتنق العقيدة النسطورية قسماً منهم وهم السريان الشرقيون سنة 497م، وقامت روما بتسمية القسم الذي اعتنق الكاثوليكية كلداناً رسمياً في 5 تموز 1830م، نتيجة كلمة أطلقتها روما على سريان قبرص النساطرة في 7 أيلول 1445م، في محاولة لكثلكتهم، لكنها فشلت، وقبل أن يُسمِّي الانكليز القسم الذي بقي نسطورياً آشوريين لأغراض سياسية استعمارية غربية سنة 1876م، ثم سمَّوا كنيستهم آشورية رسمياً في 17 تشرين أول 1976م.

بتشجيع من الفرس قام السريان الشرقيين النساطرة أسلاف الكلدان والآشوريين الحاليين بمذابح ضد آبائهم السريان الذين بقوا على الأرثوذكسية، ونتيجة خضوع النساطرة للفرس فكنيستهم سُميت الكنيسة الفارسية (البطريرك الكلداني لويس ساكو خلاصة تاريخ الكنيسة الكلدانية ص4، البطريرك الكلداني عمانؤيل دلي، المؤسسة البطريركية في كنيسة المشرق ص5. أدي شير، تاريخ كلدو-وأثور ج2 ص3 المقدمة. ألبير أبونا، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ج1 ص57. المطران باواي سورو كنيسة المشرق ص21)، حتى أن تسميتها بكنيسة فارس طغت عليها في بعض العهود (الأب يوسف حبي، كنيسة المشرق الأثورية– الكلدانية ص196)، وكثير من آبائهم وقديسيهم اسمهم الفارسي، وكتاب شهدائهم الرئيس الذي ألَّفه ماروثا الميارفقيني +431م اسمه شهداء بلاد فارس، وبقيت هذه الكنيسة إلى العصر الحديث تُسمَّى الكنيسة الفارسية، فالَّف الفرنسي ج. لابورت كتاباً مهماً سنة 1904م بالفرنسية سمَّاه المسيحية في الإمبراطورية الفارسية في عهد سلالة الساسانيين، وهكذا يُسمِّيها الكاردينال أوجين تيسران رئيس المجمع الشرقي (خلاصة تاريخ الكنيسة الكلدانية ص10)، وفي الكتاب الذي ألّفه المبشر ويكرام وأهداه إلى البطريرك النسطوري بنامين سنة 1909م، سَمَّاها كنيسة الإمبراطورية الساسانية الفارسية/ انكليزي، وسمَّاها Aubrey r. vine مؤلف كتاب (لمحة تاريخية موجزة عن الكنيسة النسطورية في آسيا من الانشقاق الفارسي إلى الآشورية الحديثة/ انكليزي) الذي صادق عليه بطريرك كنيسة المشرق النسطورية ايشاي داؤد سنة 1938م، وسمَّاها آخرون بالكنيسة الإيرانية (جي ب. اسموسن أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كوبنهاكن، فاتحة انتشار المسيحية في إمبراطورية الإيرانيين 100-637م)، ولا يزال كُتّاب الكنيسة النسطورية يُسمُّون أهم دير نسطوري في العراق بدير الربان هرمز الفارسي (المطران إيليا أبونا، تاريخ بطاركة البيت الأبوي ص23). وسنتطرق إلى مواضيع فارسية وعروبة وإسلامية النساطرة في مقالات مستقلة لاحقاً.

قام النساطرة باضطهاد السريان الأرثوذكس ومذابح بحقهم حيث قام المطران برصوم النصيبيني بتحريض من صديقه فيروز ملك الفرس بقتل السريان وإراقة دمائهم، فابتدأ النساطرة بقيادة مطران نصيبين برصوم من سنة 480م بمذابح قُتل فيها سبعة آلاف وثمانمئة سرياني أرثوذكسي، منهم الجاثليق بابويه والمطران برسهدي ومعنى اسمه (ابن الشهداء) وتسعون كاهناً في دير بزنيويثا في قرية بحزاني، واثتي عشر راهباً، وآلاف الأبرياء من شمامسة ومؤمنين عاديين، إضافةً لحرق مكتبة دير مار متى، وكان برسهدي قد جلس على مطرانية دير مار متى سنة 457م.

قام برصوم بالمذابح مدفوعاً بقوة عسكرية جبارة من الملك فيروز الفارسي، وأخذ يُنِّكل بالسريان إكليروساً وشعباً لإجبارهم اعتناق النسطورية، فكانوا يستشهدون واحداً بعد الآخر مفضلين الموت على اعتناق الهرطقة النسطورية، فقد قام برصوم النصيبيني بمقابلة فيروز وقال له إن النصارى في بلادك أيها الملك الجليل لا زالوا يتفقون مع ملك الروم (أي السريان الأرثوذكس الذين مقر بطريركتهم في أنطاكية تحت حكم الروم)، ومائلين إلى خيانتك وهم جواسيس لهم، وقد كان للروم بطريرك عاقل اسمه نسطور، يحب شعبك ومملكتك الفارسية، ولأجل ذلك أبغضه الروم وأنزلوه عن كرسيه، فإن سمحت لي جلالتك أُجبر النصارى الذين في مملكتك على إتبَّاع دين ذلك الرجل العظيم، وحينئذٍ تقع بغضة بينهم وبين الروم، فاستجاب فيروز له خاصة أن العقيدة النسطورية قريبة من الثنوية المجوسية الفارسية، فأخذ برصوم جيشاً وابتدأ الهجوم من بيت الآراميين (المدائن، قطسيفون، ساليق) واتجه إلى بيث كرماي (كركوك) وقتل خلقاً كثيراً، فهرب بعض الأساقفة إلى الجزيرة، وهاجم تكريت فقاموه أهلها، ثم ذهب إلى أربيل فهرب مطرانها والتجأ إلى دير مار متى، فتبعه برصوم واحتل الدير، فهرب مطران الدير برسهدي والرهبان واختفوا في المغاور، لكن برصوم وجدهم وقبض على برسهدي ومعه أثني عشر راهباً وكبَّلهم بالأغلال وأرسلهم إلى نصيبين وحبسهم في بيت رجل يهودي، ثم نزل إلى كورة نينوى وقام بجريمة بشعة يندا لها جبين الإنسانية وفاقت ما قام الغرباء حيث قتل في دير بيزينا (بحزاني الحالية) تسعون كاهناً، وانطلق إلى بيث نوهدرا (دهوك) وأراد تسلّق مغارة أحد النساك السريان الأرثوذكس واسمه شموئيل، ففشل، وهناك سمع زعماء الأرمن أنه قادم لبلادهم فهدده بالقتل فتراجع، وذهب إلى بيت اليهودي في نصيبين وقتل المحبوسين عنده، وهم المطران القديس الشهيد برسهدي والاثني عشر راهباً، وكان ذلك نحو سنة 480م، ونتيجة للجريمة النكراء التي قام بها برصوم النسطوري وإصرار الأرثوذكس على عدم إتباَّع مذهبه الهرطوقي أمام صاحب الدار اليهودي، آمن اليهودي بالمسيحية، وحُمل جثمان برسهدي، إلى دير بيزبينا عملاً بوصيته، ثم نُقل دير مار متى للسريان الأرثوذكس، وما يزال ضريح القديس الطاهر مزاراً يتبرك به المؤمنون وشاهداً لتلك الجرائم النكراء.

وبعد استشهاد برسهدي ذهب برصوم النصيبيني إلى دير مار متى ونكَّلَ بمحتوياته وأحرق الدير ومكتبته النفيسة، فحرم العلم والحضارة الإنسانية من مخطوطات ثمينة وخطيرة قلما يشهد لها التاريخ، وقد أكرم الملك فيروز برصوم لإعماله ومكانته عنده وأمره أن يتزوج الراهبة “ماوية” التي كان يعاشرها برصوم كسرَّية، وفي سنة 484م وشى برصوم بالجاثليق الشهيد بابويه الذي كان خاضعاً لبطريرك أنطاكية لدى فيروز الفارسي فأعدمه معلَّقاً بأصبع واحد، وكانت المجازر من سنة 480-486 قتل فيها 7800 شخصاً، وأخيراً قامت إحدى الراهبات الأرثوذكسيات بضرب برصوم بمفتاح كبيرة على رأسه فقتلته، ويقول ميخائل الكبير إن ذلك حدث في قرية الكرمة قرب تكريت، ويقول ابن العبري إن جماعة قالت أن الراهبة كانت من طور عبدين.

وقد ذكر اضطهاد برصوم النصيبيني فيلكسنوس المنبجي +523م في رسالته إلى أبي عفر حاكم حيرة النعمان فيقول: زمن أيقاد النار على المسيحيين في بلاد فارس على يد برصوم النصيبيني اللعين الذي قتل سبعة آلاف كاهن وراهب وإكليركي وعدد لا يحصى من المؤمنين الآخرين، وبسبب هذا أبى الروح القدس أن يحل من السماء لتكريس مذبح وقربان النساطرة الهرطقة وروحهم الشيطانية، (الفونس منكانا، فاتحة انتشار المسيحية في أواسط أسيا والشرق الأقصى ص107-108). ويقول الفونس منكانا أن بعض الكُتاب السريان المحدثين يكتبون اسم برصوم تحقيراً له (برصولي) بدل برصوم، ويُشبِّه منكانا هذا الاحتقار لبرصوم كمن لا يريد أن يلفظ كلمة شيطان فيقرأها بالمقلوب satan ناطيس، وعندما سأل منكانا الكاتب السرياني متي بولس +1947 لماذا تكتب برصولي بدل برصوم؟، ردَّ عليه متي: سأكتبهُ دائماً برصولي، وهل هناك وسيلة أخرى للتفريق بين برصوم النصيبيني وقديسنا برصوم؟. (يقصد القديس برصوم +457م رئيس النساك السريان).

أمَّا المفريان ماروثا التكريتي +649م في رسالته إلى البطريرك البطريرك يوحنا أبو السدرات +648م، مع أنه ذكر الاضطهاد بإسهاب وتفصيل بأكثر من ثلاث صفحات كبيرة، ولكن يبدو أن ذلك لم يشفي حسرته وغليله نتيجة للمذابح المروعة فيقول بحسرة وألم: إذا أردنا أن نتحدث عن الضيقات التي احتملها المؤمنين من برصوم المحروم أو نروي سير القدسيين الذين استشهدوا في اضطهاد برصوم لاحتجنا إلى السنة الملائكة. (تاريخ مار ميخائيل السرياني الكبير ج2 ص331-336. ابن العبري، تاريخ المفارنة ص12-16).

ويشهد لهذه المذابح كتاب الكنيسة السريانية الشرقية أنفسهم كما يقول الأب ألبير أبونا، ماري بين سليمان وعمرو بن متى أو صليبا الطيرهاني في المجدل، (أخبار فطاركة المشرق ماري ص45، وصليبا ص29-34)، والأب بطرس نصري الكلداني يذكر المذابح ويُسمِّي برصوم الجائر وأبو المكايد وكتب فصل خاص اسمه في إثارة برصوم الاضطهاد على مستقيمي الإيمان، (بطرس نصري نصري، ذخيرة الأذهان في تواريخ المشارقة والمغاربة السريان ج1 ص124-126)، والأب أدي صليبا أبراهينا الكلداني (أدي صليبا أبراهينا، وبطرس نصري مجلة المشرق، طائفة الكلدان الكاثوليك 1900م ص820) ، والأب ألبير أبونا ُيُسمِّيه برصوم المضطهد ويقول إنه استعمل القسوة وأراق الدماء التي لا ننكرها فقتل 7700 مونوفيزي، (تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ج1 ص77-82) ويذكر المذابح المطران أدي شير، وغيره. ولهذا المطران دور مهم في التاريخ الحديث حيث كان إلى سنة 1906م معتدلاً ثم تحول إلى ابن روحي لبرصوم النصيبيني ورجل سياسية وحاقداً على كل ما هو سرياني وبدأ بتزوير التاريخ..الخ، يتبع جزء ثاني (أدي شير الكلداني – الآشوري، برصوم النصيبيني الثاني، ومذابح السريان).
وشكراً/ موفق نيسكو
مذابح السريان على أيدي النساطرة أسلاف الآشوريين والكلدان ج2/ المطران أدي شير

يُعدُّ هذا المطران الكلداني الذي يُلقب بالكلداني- الآثوري أحيانا من كتاب ومؤرخي الكنيسة الكلدانية المهمين، فقد كتب عدة كتب وامتلك عدة مخطوطات، كما أنه نفسه قُتل على يد الاتراك الذين قاموا بمذابح ضد السريان (سيفو) سنة 1915م، وهذا المطران كان معتدلاً إلى سنة 1906م، لكنه منذ سنة 1912م تحوَّل إلى أكثر المطارنة الكلدان تعصباً وحقداً على السريان وكل ما هو سرياني ومزوراً بامتياز للتاريخ عندما يتعلق الأمر بالسريان، رغم أنه يُقرُّ أحياناً مُذعناً الاعتراف بالحقيقة الناصعة أنه سرياني آرامي كما يقول المطران أوجين منا الكلداني: إن السريان هم الآراميون والكلدان والأثوريون هم آراميون، وإلا لما كانت لغة ملوكهم الرسمية آرامية حتى بعد انتقال صولجان ملكهم إلى يد الغرباء، ناهيك عن أن بلاد بابل وأثور سُميت في جميع الأجيال حتى بعد استيلاء العرب عليها ܒܝܬ ܐܪܡܝܐ بيت الآراميين، وعُرفت بلاد النهرين ببلاد الآراميين، ولا حاجة لإيراد الشواهد غير المحصاة لإثبات ذلك، وهي حقيقية يَقرُّ بها (مُذعناَ) من كان له أدنى إلمام بأخبار الكنيسة الشرقية لأن كتب أجدادنا مشحونة من ذكر ذلك. (المطران أوجين منا الكلداني، دليل الراغبين في لغة الآراميين ص13-14).

إن هذا المطران أصبح رجل سياسي أكثر من رجل دين متخفياً بثوب الكهنوت، وهو يشبه برصوم النصيبيني كرجل سياسة أكثر منه مطراناً، فعندما لاحظ أدي شير أن السريان النساطرة الذين سمَّاهم الانكليز آشوريين سنة 1876م بدئوا بدور سياسي لاستقطاع جزء من العراق بوعد من الإنكليز للنساطرة الآشوريين الذين هم من أصل يهودي حيث وعدهم الإنكليزي كريسي سنة 1918م بعد شهرين من وعد بلفور بإعطائهم منطقة شمال العراق تحقيقاً لوعد إسرائيل الثاني وهو الفرات، فثارت حميت أدي شير السياسية منذ سنة 1912م واخترع عبارة كلدو- أثور عسى أن يحصل على جزء من الكعكة، وقوَّى علاقته بالفرنسيين أيضاً وبدأ بكتابة كتابه تاريخ كلدو- أثور بجزئين الجزء الأول هو سياسي بامتياز، ويقول فيه معتزاً بالآشوريين والكلدان ومفتخراً بالقتل والتنكيل وهو مطران مسيحي:

إن الأمة ألآثورية أو الكلدانية كانت من أشد الأمم بأساً وأكثرهم قوة وعصبية، وكانت ميَّالة إلى الحرب والقتال، وكان لا بد لهم أن يباشروا غزوة في كل ربيع، وأن ملوكهم اشتهروا بقسوة القلب والمعاملة الوحشية نحو العدو المغلوب، إذ كان أكثرهم يأمرون بسلخ أجسام الأسرى أو صلبهم أو قلع عيونهم، ويفتخرون بذلك مُدَّعين أنهم إنما يعملون هذا بأمر آلهتهم، وقد عثرَ المسيو دي مرغان على تمثالاً يمثل بعض ملوك أثور وهو يسحب ورائه أسيراً بحبل معلّق بعنقه، وتحت قدميه جثث من الأسرى يدوسها برجليه، وكذلك فقد ذكر الملك آشور بانيبال في إحدى كتاباته كيف تعامل مع أحد ملوك العرب قائلاً: إنني ثقبت فمه بمديتي (خنجر أو سكين) التي أقطع بها اللحم، ثم جعلت من شفته العليا حلقة وعلّقتها بسلسلة كما أفعل بكلاب الصيد. (أدي شير، تاريخ كلدو وأشور ج1 ص 9–10).

أمَّا الجزء الثاني من كتابه فهو كنسي ملي بالتزوير لأغراض سياسية، وما يهمنا هو تفنيد أدي شير وتزويره في محاولة منه قدر الإمكان إنكار أو تمويه ما قام به أسلافه من مذابح بحق السريان، فيقول بخصوص مذابح السريان على يدي أسلافه:

من الذين يُكذِّبون حكاية برصوم النصيبني اليعاقبة أنفسهم حيث أن شمعون الأرشيمي لم يذكر شيئاً عن برصوم النصيبيني، والأنكى من ذلك إنه يبرر المذابح التي قام بها أسلافه بقيادة برصوم النصيبيني بالقول: إن برصوم كان فعلاً، ثاقب العقل، ولولاه لتسلطت المونوفيزية على الكنائس (الكلدانية) ولهذا أبغضه (اليعاقبة) ورشقوه بأقبح الألقاب وسندوا إليه أشنع الافتراءات وإنه كان سفاكاً وقتل 7700 نفس، وقد ورد ذلك عند ميخائيل الكبير وابن العبري، وخلاصة القول إن هذا أمر مصطنع، وما نقدر أن نثبته عن برصوم النصيبيني: لولاه لتسلَّطت المنوفيزية على كل كنائس فارس، ويحتمل انه بسبب هذه المنازعات سفك دم قليل وليس كما يقول ميخائيل وابن العبري. (ج2 ص151-156).

وقبل كل شي وللتوضيح وباختصار أقول: لم يكن في زمن المذابح 480-486م شي أسمه كلدان إطلاقاً، بل سريان شرقيين، ولم يكن شي اسمه يعاقبة بل سريان غربيين، لأن يعقوب البرادعي لم يكن قد وُلد بعد لأنه وُلد حوالي سنة 500 ميلادي وتوفي سنة 578م، ورُسم أسقفاً مسكونياً سنة 543م، وقد سبقه في عقيدة الطبيعة الواحدة (المونوفيزية كما يُسمِّيها الديوفيزيين ومنهم أدي شير) عشرات من المشاهير أمثال البطاركة بطرس القصَّار +488م، يوحنا الثاني +478م، بلاديوس498م، سويريوس الكبير +538م، ومشاهير المطارنة المطران أمثال فليكنوس المنبجي +523م ويوحنا التلي538م، وشمعون الأرشيمي +540م، وغيرهم، علماً أنه وبرغم اضطهاد برصوم النصيبيني ومذابحه لم يستطيع السريان النساطرة الديوفيزيين القضاء على المونوفيزيين أي الأرثوذكس أصحاب الطبيعة الواحدة، ويعترف أدي شير نفسه أن أدي وبابا البيثلاياطي وبنيامين الآرامي وبرحذبشابا القردوي وكثير من الرهبان كانوا أرثوذكس، مع ملاحظة أن اثنين من الذين ذكرهم أدي شير أحدهم آرامي والآخر كردي (قردوي)، ولا وجود لكلداني وآشوري، ولا نريد الإسهاب في الموضوع، لأن موضعنا هو المذابح.

1: إن قول أدي شير الديوفيزي: لولا برصوم النصيبيني لتسلطت المونوفيزية على الكنائس، دليل كافي لاعتراف أدي شير نفسه بالمذابح، رغم أنه حاول بطريقة ملتوية القول إنه سفكت دماء قليلة.

2: إن قول أدي شير أعلاه يثبت بشكل قاطع أن الجاثليق بابويه كان أرثوذكسياً من أصحاب الطبيعة الواحدة وليس نسطورياً، وإلاَّ لماذا عاداه برصوم ووشى به عند فيروز الذي أعدمهُ؟، ألم يقل أدي شير في فصل اسمه دخول النسطرة في الكنيسة الكلدانية: إن برصوم وتلاميذ مدرسة اورهاي لم يجاهروا بالنسطرة إلاَّ عندما ألجأتهم الأحوال أن يحاربوا المونوفيزيين؟ فقاومتهم كنيسته واعتنقت النسطرة؟، فماذا كانت عقيدة كنيسة أدي شير قبل اعتناق النسطرة؟. ج2 ص138-141.

3: إن دفاع أدي شير عن برصوم النصيبني بهذا الشكل يُثبت فعلاً أنه يبرر القتل وبذلك يؤكِّد فعلياً أنه برصوم النصيبني الثاني.

4: إن ميخائيل الكبير وابن العبري ينقلون تاريخ موَّثق، ولم يعيشوا سنة 486م مثل ما لم يعش أدي شير زمن كلدو- وأثور، ورغم ذلك فإنه ينقل التاريخ تزويراً، وليس توثيقاً مثل أبن العبري وميخائيل الكبير اللذان ُيعتبران حجة في التاريخ العالمي، وهل لولا هذان الكاتبان وغيرهما من السريان الأرثوذكس وجود تاريخ لكنيسة أدي شير؟.

5: لم يقل أدي شير من هو الذي كذَّب القصة، فعدم ذكر شخص معين لقصة معينة لا يعني أن القصة كذب، فكلمة يُكذِّب تعني أن شخصاً معاصراً أو قريب من الحدث كذَّب القصة، وليس لأدي شير هكذا مصدر، بل العكس.

6: ولنرى الآن من يكذب اليعاقبة، أم أدي شير ومن أخذ عن أدي شير بدون تدقيق كالأسقف السرياني الشرقي النسطوري (الآشوري حالياً) عمانؤيل يوسف وغيره؟.

إن الرواية ثابتة في كل التواريخ ولناس معاصرين وقريبين من الحدث، ومذكورة في تواريخ أدي شير نفسه (راجع ج1) والمبكي أن أدي شير يذكرها بلسانه كما سنرى، وعدم ذكر شخص لقصة معينة لا يعني أنه القصة كذب، وليس بالضرورة أن يذكر كل كُتَّاب التاريخ حادثة معينة، وهل لتاريخ وحوادث كنيسة أدي شير وجود في كل الكتب، بل هل هناك تاريخ مُنظم بمعنى تاريخ لكنيسته قبل كتابه هو ولكن باسم منتحل هو كلدو- وأثور مع تزويرات كثيرة، وأقدم كتب تاريخ للكنيسة السريانية الشرقية وفيها بعض التواريخ هي الروساء والنحلة والمجدل والسعردي، ويعود أغلبها للقرن الثالث عشر وأغلب كُتَّابها عرب، وهي كتب صغيرة جداً وفيها مادة تاريخية لكنها ليست كتب تاريخ كنسية بحتة على غرار الآسيوي والفصيح والتلمحري وميخائيل الكبير وابن العبري، وكل المؤرخين على الإطلاق يعتبرون تاريخ كنيسة أدي شير غامضاً، ونختصر بقول البطرك ساكو: إن الوثائق عن كنيستنا غير وافية وجاءت بمستويات متنوعة، (خلاصة تاريخ الكنيسة الكلدانية ص4) إضافة ليوسف حبي، تاريخ كنيسة المشرق ص16. ألبير أبونا، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ج1 ص3-11. الأسقف عمانويل يوسف آشوريين أم كلدان ص113، المطران باواي سورو، كنيسة المشرق ص43و 48. وغيرهم كثير، وكلهم يقولون إن بدايات كنسيتهم أساطير وغموض وضعف..الخ.، وأخيرا بدأ بعض المستشرقين بتأليف بعض الكتب لهم فيها الغث والسمين لكسبهم سياسياً ومذهبياً.

7: وهو مهم جداً لكشف تزوير أدي شير، فرغم أن عدم ذكر الرواية من شمعون الأرشيمي ليس دليلاً على عدم وجودها كما ذكرنا، إلاَّ إن المطران شير الذي كان مثقفاً وكاتباً ولديه مخطوطات كثيرة (كلها بالاسم السرياني طبعاً)، إلاَّ أن التعصّب قد أغشى عينيه، فلم تتكحل عيناه لينتبه إلى أن شمعون الأرشيمي ذكر بوضوح اضطهاد برصوم في رسالته سنة 510م، فركَّزَ أدي شير على كلام الأرشيمي عن دخول النسطرة إلى بلاد الفرس، وتغاضى عن العنوان في ص314 وما كتبه الأرشيمي بوضوح عن برصوم النصيبني ص351 وطلبه من الملك فيروز إعطائه سلطة لتأديب المؤمنين الذين اتهمهم بالتجسس لصالح الروم، وممن قُتل هو الجاثليق باويه وغيره، علماً أن أدي شير قرأ جيداً كلام الأرشيمي عن البدعة النسطورية وكيف سمَّى الأرشيمي برصوم بالنجس، ولله في خلق المتعصبين والمزورين شؤون. (مخطوطات المكتبة الشرقية 1719م، ج1 ص341-386، وبما يخص برصوم النصيبيني أرفق صورة ص346 و351)، وقام ميخائيلس بطبع رسالة الأرشيمي الأولى، ونشر الثانية الكاردينال ماي ثم لاند ونقلها إلى البرتغالية Estvevs pereira وطبعت في ليبسون سنة 1899م. (نرفق المخطوط على الرابط).

http://karemlash4u.com/up/download.php?img=81916

8: يبدو أيضاً أن أدي شير لم يكن دقيقاً وصادقاً مثل الأب بطرس الكلداني المُنصف حيث انتبه القس بطرس لمخطوط شمعون الأرشيمي وذكر أن له رسالة في الشرور التي أتى بها برصوم النصيبيني. (ذخيرة الأذهان في تواريخ المشارقة والمغاربة السريان ج1 ص164).

9: إن كُتَّاب كنيسة أدي شير القدماء والحديثين كماري وعمرو أو صليبا ونصري وأبونا وغيرهم ذكروا المذابح، وأدي شير نفسه ذكرها، ورسائل برصوم النصيبني نفسه إلى الجاثليق آقاق +496م التي أتت في مجامع كنيسة المشرق تذكر ارتكاب برصوم المذابح بحق السريان الأرثوذكس أصحاب الطبيعة الواحدة بتشجيع من فيروز الفارسي، ففي رسالة برصوم النصيبيني الثالثة نفسه إلى آقاق يقول: إن المزربان هنا (حاكم الفرس في نصيبين) ساند المتمردين (السريان الأرثوذكس، المونوفيزيين حسب تعبير القس يوسف حبي الديوفيزي) بروح العصيان مع كرسي أبوتكم لأنه لم يكن على علمٍ برغبتهم الشريرة، وأخشى أن أُعرَّفكم بنواياهم وأسرارهم، فيكتب (المسؤولين الفرس) إلى الملك لإعلامه بعصيان هؤلاء المنحرفين، فيصدر الملك مرسوماً ضد جميع المسيحيين بسبب تمرد هؤلاء، لذلك ينبغي قدر المستطاع تمويه القضية وعدم إيصالها إلى الغرباء، فاكتب أنت بسلطانك العظيم الإلهي رسالة بشدة، وأدِّبهم كالطبيب الذي يقطع مريضاً لكي ينشله من مرضه، وهددهم برسائلك، وإن لم يتوبوا إلى أنفسهم، فاشكِهمْ إلى الملك وضباطه، وتكفي هذه الكلمات القليلة المدونة من قبل ضعفنا إلى سمو عِلمكم. (مجامع كنيسة المشرق، تعريب يوسف حبي ص157).

10: وأخيراً ندين أدي شير من فمه، فقد نسيَّ أنه أقرَّ بفمه وأعتبر هؤلاء 7700 شهداء قبل أن يدخل الحقد قلبه سنة 1912م ويتحول إلى سياسي مثل سلفه وأبيه الروحي برصوم النصيبيني، فإنه نفسه والمستند إلى مصادر عديدة ذكر المذابح بوضوح في كتاب شهداء المشرق سنة 1906م في ترجمة القديس بابويه +487 ج2 ص383 وبتفاصيل أكثر من غيره حيث يقول بفمه: إن برصوم النصيبيني قتل كثيرين منهم المطران مار سهدي واثني عشر راهباً في دير مار متى، والمؤرخون ذكروا أن (!!شهداء الإيمان بلغوا 7700 شهيداً!!).

11: ويبدو أن أدي شير أراد إن يطبِّق ما جاء في معجم اللاهوت الكتابي الكاثوليكي، ولكنه لم ينتبه ما قاله عن بابل: إنها مدينة الشر ونموذجاً للوثنية المحكوم عليها بالخراب والتي اتخذت وجه روما الإمبريالية منذ اضطهاد نيرون، والتي يصفها الكتاب المقدس بالزانية السُكرى بدماء القديسين (رؤيا 17)، وسارت برفقة التنين الشيطان، وسوف تسقط بابل وتندبها الشعوب التي تعادي الله، لكن السماء تفرح، ذلك هو المصير النهائي الذي ينتظر مدينة الشر التي تعادي الله والكنيسة، ولعل أدي شير أراد أن يتشبَّه بنبوخذ نصر الطاغية المتكبر المنتهك للقُدسيات كما يقول المعجم ذاته ص141-142.

يتبع ج3 الأسقف عمانوئيل يوسف ويوسف حبي وألبير أبونا ومذابح السريان.

وشكراً / موفق نيسكو

مذابح السريان على أيدي النساطرة أسلاف الآشوريين والكلدان/ ج الأخير، الأسقف عمانوئيل يوسف

11: إن الأسقف السرياني الشرقي عمانوئيل يوسف (الآشوري حالياً بعد أن سمَّاهم الإنكليز آشوريين وسمَّوا كنيستهم آشورية في 17 تشرين أول 1976م) الذي ينقل الخبر على علاته عن المطران أدي شير دون تدقيق في كتابه آشوريين أم كلدان؟ “الهوية القومية لأبناء كنيسة المشرق المعاصرين”، ثم يحاول أن يشكك ويموه القارئ بجريمة قتل النساطرة بقيادة برصوم النصيبيني 7800 سرياني أرثوذكسي، (راجع مقالنا ج 1 و2)، بل يدافع عن جرائم برصوم والنساطرة، ويُسمِّي برصوم القاتل كما يصفه آباء كنيسته أنفسهم (بمار برصوم) (آشوريين أم كلدان؟ ص177، و 214) ، ولا أعلم لماذا لم يشكك الأسقف عمانؤيل في كتب كنيسته كالمجدل والمجامع وسير القديسين لأدي شير؟، ولا عتب على الأسقف عمانؤيل فهو أسقف كنيسة تُطبِّق ما قام به برصوم النصيبيني سياسةً وقتلاً وجنساً، فجميع المصادر تُجمع على أن برصوم النصيبيني كان سياسياً بامتياز ومستشاراً للملك فيروز، ويقول ريموند كوز إنه كان الحاكم السياسي لولاية نصيبين الحدودية ، (تاريخ كنيسة المشرق ص71. وراجع دائرة المعارف البريطانية طبعة 11مج 19 ص407/ انكليزي)، والمصادر تجمع على أنه قاتل ومضطهد، وكل المصادر تُجمع أيضاً على أنه أدخل زواج الأساقفة رسمياً إلى كنيسته قائلاً الزواج خير من التحرق، فأكرمه فيروز وتزوج الراهبة ماوية، ومن يقرأ سيرة الجاثليق آقاق ونقاشه مع برصوم النصيبيني يتخيل أنه يقرأ رواية عن الجنس، (ماري بن سليمان، أخبار بطاركة المشرق، ص439)، وقد قام النساطرة في بيئتهم الفارسية بالتخلي عن الزهد والعزوبية لرجال الدين حتى الأساقفة منهم، وذهبوا إلى حد السماح بالزيجات المتكررة، وبذلك ناقضوا كل الأعراف الكنسية. (راجع موضوع زواج الأساقفة، دائرة المعارف البريطانية ص407، مجامع كنيسة المشرق، فقه النصرانية لابن الطيب، وغيرهم “قوانين مجمع آقاق وبيث لافط وعذري وبابي”).

وكنيسة عمانؤيل هي حزب سياسي أكثر مما هي كنيسة مسيحية، وهو زعيم سياسي أكثر من أسقف مثل برصوم النصيبيني، وخير دليل عنوان كتابه القومية وكل كتابه سياسي وهو مطران، والأسقف عمانوئيل ينحدر من كنيسة قال مبعوث رئيس أساقفة كارنتربري عن أساقفتهم: إن أساقفتهم أعلم بأقسام البندقية من أقسام الكتاب المقدس، ويقول وليم ويكرام: إن البطريرك النسطوري هو زعيم قوم أكثر مما هو بطريرك، وهو أغرب بطريرك في العالم.

والأسقف عمانؤيل هو سلف مطران أروميا يوحانون الذي كان يعتقد أن اسمهم النساطرة هو نسبة إلى الناصرة، وأكَّدَ أننا نقول نصارى لنثبت للآخرين أننا من بني إسرائيل، وعندما سأل القس سميث المطران يوحانون وشماسه عن مفهوم عقيدة الخطيئة الأصلية وموت المسيح، أجابه بآيات من القران، فقال القس سميث: لقد آلمنا أن نسمع قصة قرآنية بفم أسقف مسيحي.
Researches of the Rev.E.Smith, and Rev.H.G.O.Dwight in Armenia, including a journey through Asia Minor and into Georgia and Persia,with a visit to the Nestorian and Chaldean Christians of Oormiah and Salmas ج2 ص203-204، 214-215، 224.

والأسقف عمانؤيل هو أحد الأساقفة الذين رسمهم البطريرك دنحا الذي وقع وبارك كتاب كنيسة المشرق للمؤلف كريستوف باومير الذي يقول في ص169-170: إن النساطرة كانوا متأثرين بالإسلام أشد تأثير، وأن المسيحية النسطورية من بين كل المسيحيين تشبه عن كثب التفسير الإسلامي ليسوع. (وراجع من كتاب المجدل للاستبصار والجدل / النساطرة والإسلام جدلية علاقة وتأثر للدكتور لويس صليبا الذي يجلب أقوال أهم علماء النساطرة حول قرب عقيدتهم للإسلام، وسنتكلم عن قرب عقيدة الكنيسة النسطورية للعقيدة الإسلامية وعروبتها وبالوثائق لاحقاً).

يقول الرحالة بوجولا الذي قام بزيارة كردستان في النصف الأول من القرن التاسع عشر واعتبر النساطرة أكراداً: إن قسماً من الأكراد نساطرة ويخضعون لبطريركين وراثيين، ونتيجة الوراثة فهم يرسمون أطفال أساقفة بعمر 12و 15 سنة، والجهل منتشر بينهم، فبالكاد يعرف رجال دينهم القراءة، (رحلة باجولا إلى آسيا الصغرى وبلاد بين النهرين وتدمر وسوريا وفلسطين ومصر ج1 فرنسي 1841م ص350–351). ويكرر نفس الأمر الدكتور أشيل غرانت الذي زار النساطرة سنة 1835م وعاش معهم وصادق البطريرك وأصبح واحداً منهم ولقَّبوه “بحكيم صاحب”، وكتب كتاباً عنهم سمَّاه النساطرة أو الأسباط الضائعة، أثبت فيه أن النساطرة هم من الأسباط الضائعة من اليهود، وقال: إن شعبهم جاهلاً ويعيش في ظلام دامس تتخلله الأساطير والخرافات. (nestorians,or the lost tribes The ص17).

يقول القس جبرائيل أوشان الذي زار مناطق الكلدان والنساطرة خصيصاً للكتابة عنهم في بحثه (الكلدان والنساطرة الجدد ودراسة السريانية بينهما) نشرته جامعة جونز هوبكينز سنة 1901م، تأسست سنة 1876، متخصصة في الأبحاث ومقرها بالتيمور بولاية ماريلاند الأمريكية: إن نساطرة كردستان يعيشون في جهل، وحتى كهنتهم تعليمهم قليل جداً، وهم يعيشون حياة بائسة، وليس لهم اهتمام برعيتهم، فقلة من الرجال قادرين على نسخ المخطوطات السريانية القديمة، وبصرف النظر عن بعض الكهنة والأساقفة، هناك من بين نساطرة كردستان بالكاد أربعون شخصا قادراً على نسخ المخطوطات السريانية القديمة بدقة لأنهم لا يملكون معرفة جيدة باللغة السريانية الكلاسيكية، ونسخهم عموماً مليء بالأخطاء، ولم أسمع لمؤلف واحد منهم أنه قادر على قراءة كتاب الخدمة وطقوس الكنيسة، وحتى الشماس حين يقرأ يضع اصبعه على الصفحة لمتابعة القراءة، وغالباً يتوقف من حين لآخر لأنه يصادف كلمات لا يفهمها، وحتى الكهنة بالكاد لا يستطيعوا أن يفعلوا أكثر من قراءة وتفسير طقوس الكنيسة فقط، أمَّا نساطرة فارس فإلى سنة 1850م كان عدد المتعلمين فيهم أثنين أو ثلاثة من بين كل مئتي شخص، والآن في تحسن ويعرفون السريانية الكلاسيكية أفضل من نساطرة كردستان، ولكن ليس لغاية علمية، بل تقليدية. (The modern chaldeans and nestorians and the study of syriac among them, 1901م، ص81-83).

يقول جون فيليب الدومنيكي أن نداء الاستغاثة الذي وجهه رئيس أساقفة كارنتربيري إلى النساطرة في 7 كانون الثاني1870م، كان هدفه إنقاذهم من الجهل والظلام الكبيرين. (السريان الشرقيين، Madenkha Suryaya، 1965م ص6).

يقول فريدريك بارو متسلَّق جبال آرارات لأول مرة سنة 1829م: إن الشعب المسيحي الساكن هنا معروفين في التاريخ باسم النساطرة، لكن الأتراك والتتار والأرمن يُسمونهم يزيديين، والحقيقة أنهم أتباع نسطور بطريرك القسطنطينية، وهذه الكنيسة كان كيانها الأول محصور في بلاد فارس، وزيهم الآن كردي ومنها أساقفتهم، وهم يتكلمون ويمارسون طقوسهم باللغة الكلدو– سريانية، وكهنتهم وأساقفتهم في جهل مُطبق وهم بالكاد لا يعرفون إلا القليل عن مبادئ دينهم، وعلى الرغم أنهم يقرءون كتبهم بالكلدانية، لكني اعتقد أنهم لا يفهمون شيئاً منها.(Journey to Ararat، رحلة إلى آررات 1859م، انكليزي ص230–233).

والأسقف عمانوئيل ينحدر من كنيسة البطريرك برماما (1551–1558م) وكان عمره ثمان سنوات فقط ثم اغتال البطريرك يوحنا سولاقا سنة 1555م لأنه اعتنق الكثلكة، فيقول برماما: نعم أنا صغير وعدوي جبار وقوي كالأسد، ولكن ألمْ تقرءوا عن قتال الفتى الصغير داود مع جوليات الجبار، من انتصر ومن قُتل؟، الصغير أم الجبار؟، (المطران إيليا أبونا، تاريخ بطاركة البيت الأبوي ص45-46)، وأحد شمامسة كنيسة الأسقف عمانوئيل قام برش كنيسة كلدانية بالنفط لإحراقها بمن فيها أثناء الصلاة لأنهم تحولوا إلى الكثلكة وعندما تم منعه من قبل أحد الكهنة، أجاب الشماس قائلاً: أبونا: إن الملك يوشيا أباح لشعبه إحراق عظام عبدة الأصنام استناداً (2 ملوك 23: 16). (وليم ويكرام، مهد البشرية ص253).

والأسقف عمانوئيل ينحدر من البطريرك أوراهام روئيل (1820–1860م) الذي غالباً كان يحمل بندقية، وخلفه البطريرك روئيل بنيامين (1861–1903م) الذي كان يعيش مع امرأة فارسية ويعاشرها معاشرة غير شرعية، إضافة لذلك أنه قتل رجلين عندما كان بطريركاً. (ميشيل شفالييه، المسيحيون في حكاري وكردستان الشمالية ص140-141).

والأسقف عمانوئيل ينحدر من سلالة البطريرك إيشاي دواد الذي رُسم بسن الثانية عشر وأثناء رسامته حسب شهود عيان كان ينظر من الشباك بحسرة إلى زملائه الذين يلعبون خارجاً، ويقول هنري جارلس مؤلف كتاب نينوى وأقلياتها الذي زار الموصل سنة 1925م وكتب كتاب “الموصل وأقلياتها” تحدث عن الكنيسة النسطورية، وحين كتب الفصل الخامس “النساطرة المرحلة الأولى” يبدأ بعبارة طريفة، فيقول: لنترك بطريرك النساطرة يلعب كرة قدم مع زملائه الأولاد الآخرين في ساحة على مشارف الموصل، من أجل أن نفهم كيف يمكن لفتى عمره ستة عشر وهو لاجئ من جبال هكاري، ونحن نراه رئيس واحدة من أقدم الكنائس المسيحية. Harry charles luke ,Mosul and its) minorities, London 1925 ص56)، ثم أصبح قائداً عسكرياً، وبسبب زواجه من خادمته إمامة بنت الشماس الإنجيلي شمشون شمعون وكان عمرها أربعاً وعشرين وأنجب منها طفلين فقتله داود ياقو ملك إسماعيل في 6 تشرين الثاني سنة 1975م في مدينة سان هوزي، (سورما خانم ص346-347. عندما قُتل كان عمر أبنه 18 شهراً، وزوجته حامل بطفل ثان)، ناهيك عما جرى في بيت أبونا من قتل واغتيالات لأولاد عمومتهم بيت نمرود بتحريض سورما خانم حتى وصف البعض بيت أبونا بالبيت الدموي.

http://karemlash4u.com/up/download.php?img=81932

فمن سيكتب تاريخ كنيسة المشرق أولئك البطاركة والمطارنة والشمامسة، أم الأسقف عمانوئيل المزوِّر؟، الذي في كتابه يكتب أنه حاصل على شهادة في اللغة السريانية-الآرامية، ثم داخل كتابه يزوَّر اسم اللغة ليُسميها السريانية- الآشورية، ويغش القاري باستشهاده بأمور لا توجد في المخطوط، كما سأبين لاحقاً.

12: الأب الكلداني يوسف حبي صاحب كتاب كنيسة المشرق الكلدانية – الأثورية ومترجم ومعد كتاب مجامع كنيسة المشرق هو تلميذ أدي شير فكرياً وكان له طموح سياسي لكنه كان يخاف السلطة، والحق يُقال إنه أقل تطرفاً من أستاذه أدي شير، وحبي حاول قدر الإمكان تمرير جريمة النصيبيني في تعليقه على اضطهاد برصوم النصيبيني للأرثوذكس في رسالة لآقاق الأنفة الذكر بالقول: ربما الحديث عن انتشار المونوفيزية بعد إن شجعتها الجيوش الرومانية ومحاولة تسليم نصيبين إلى الرومان، ونحن أولاً لا نعلم متى كانت نصيبين تابعة للفرس لكي تُسلَّم للرومان؟، فالرومان كانوا محتلين لبلاد السريان الآراميين شأنهم شان الفرس، وثانياً: لماذا هرولّ أسلاف يوسف حبي برجليهم إلى الرومان بعد انسحبوا؟.

13: يعتبر الأب ألبير أبونا أفضل وأدق وأنصف كاتب تاريخ في الكنيسة الكلدانية في العصر الحديث بعد بطرس نصري والفونس منكانا وتوما أودو، أوجين منا، ليس بسبب اسم كتابه تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، بل لقوة ومتانة وترابط المادة التاريخية في كتابه، ويليه في المصداقية البطريرك لويس ساكو، ومع ذلك لا تخلو كتاباتها من شطحات كلدانية هنا وهناك، فمن شبَّ على شي شاب عليه، فألبير أبونا يذكر اسم السريان الأرثوذكس بالمنوفيزيين، وهو وصف صحيح، لكن إذا استعمل في نفس الوقت كلمة الديوفيزيين على كنيسته، أمَّا إذا استعملها على الأرثوذكس فقط، فتلك شطحة من شطحات الكلدان.
وفي مذابح برصوم التي هي موضوعنا يذكرها ويعترف بها صراحةً ويقول: لا يجب إنكارها وأن أبائنا ذكروها..الخ، لكنه يحاول أحياناً بشكل أو آخر التقليل من أهميتها وتموّيه القارئ، ومع ذلك فطالما يعترف الأب ألبير أبونا بالمذابح التي لم ينُكرها كتابهم أنفسهم وبرسالة ماروثا.

واستناداً إلى لقائي الأخير معه في نيسان 2016م سألته: هل كنيستكم أنطاكية؟، فقال لي: نعم جذور كنيستنا أنطاكية، ثم سألته: أنت قلت لرياض الحيدري مؤلف كتاب الأثوريين: “لا يوجد دليل على أن الآشوريين الحاليين ينحدرون من القدماء، ولا يوجد ما يحول دون زعمهم ذلك”، وهذا يعني بوضوح ودبلوماسية أنهم لا ينحدرون منهم، وباستطاعة أي شخص أن يزعم ما شاء، فلماذا لا تذكر بوضوح موقفك أكثر؟، أجابني مبتسماً: هذه قصة طويلة، وما يفيد معاهم، ما يفيد.
فإذا كنا قد غسلنا يدنا من الآشوريين الاعتراف بالمذابح والتزوير وغيرها، عدا القلة القليلة من المنصفين، ربما يؤثرون على الغالبية لأن صوت الحق بأدلة دامغة أقوى من الكثرة، فهل سيعترف الكلدان بالمذابح ويكونوا قدوة للآشوريين، أم أن الكلدان أيضاً، ما يفيد معاهم، ما يفيد؟
وشكراً/ موفق نيسكو