جوليا دومنا(166-217)

جوليا دومنا(166-217)

جوليا دومنا(166-217)

سورية من مدينة حمص زوجة القيصر الروماني سپتيميوس سڤروس (139- 211 م) ووالدة القيصر كركلا (211- 217 م) وگيتا، فارقت الحياة في أنطاكية عام 217 م
النشأة
يرجح ولادتها في العام 166 م أو 170 م، في مدينة حمص في سوريا، لعائلة من الاسياد في المدينة تتوارث كهنوت عبادة الإله إل اجبل (أيل الجبل) حيث كان والدها، جوليوس باسيان، الكاهن الأعظم لهذه العبادة في حمص وفي الامبراطورية الرومانية.
حياتها الخاصة
تزوجت جوليا دومنا في العام 187 م من القائد سپتيميوس سڤروس، قائد الفرقة (المعسكر) الرابعة في الجيش الروماني، المرابطة في الولاية الرومانية السورية. في الرابع من نيسان 188 م أنجبت جوليا دومنا إبنها الأول كركلا، في ليون حيث أقامت الأسرة لعمل سپتيميوس سڤروس كحاكم لأقليم (Lugdunensis) ، أنتقلت بعدها الأسرة إلى روماحيث ولد الأبن الثاني گيتا في السابع من آذار 189 م بين 191- 193 م انتقلت الاسرة إلى كارنوتوم (Carnuntum) في النمسا شرق فينا. في 9 أبريل 193 م نادى به الجنود ليكون القيصر، وفي التاسع من حزيران دخل روما، ونالت جوليا دومنا لقب المعظمة (Augusta). القيصرة
رافقت جوليا دومنا زوجها في المعارك التي خاضها في الشرق من 195 م حتى 211 م وكانت منذ بدايات هذه الحروب قد نالت لقب الشرف أم المعسكر (mater castrorum)، وأن كان القائد بلاوتيان (Gaius Fulvius Plautianus) قد حاول الوقوف في وجهها ومنعها من تحقيق نفوذ كبير لها في الحكم، إلا أنها بعد موته (205 م) على يد كركلا استطاعت أن تمارس دورها كحاكمة إلى جانب زوحها، ألا أن السنين الاحقتين كانتا مشحونان بالخلاف بين ولديها كركلا وگيتا، الذين توجب أن يحكما معاً وفق إرادة والديهما. صراع الأخوة
بعد موت سيبتيموس سيفيروس في الرابع من شباط 211 م خلال معارك في بريطانيا، تولى الحكم -حسب رغبته- كركلا وگيتا معاً، وإن كانت لكركلا الكلمة الفصل كونه الأكبر سناً (البكر)، وبسب العداء المستحكم بينهما، أقتربت الأمور من الحرب الأهلية في الإمبراطورية الرومانية. حتى أن المؤرخ هيروديان يكتب عن انشقاق متوقع في الإمبراطورية، بحيث يحكم گيتا الجزء الشرقي، لكنه يبدو أن جوليا دومنا كانت قد عارضت هذا الفعل، وحالت دون وقوعه، إلا أن كركلا قام في الحادي عشر من كانون الثاني 211 م بقتل أخيه غيلة بعد أن كان دعاه إلى لقاء مصالحة، وذلك في أحضان جوليا دومنا التي حاولت حمايته، مما أدى إلى إصابتها هي أيضاً، كما قتل الآلاف من اتباع أخيه، كما منع إقامة مآتم أو اظهار الحزن على گيتا، بما في ذلك جوليا دومنا نفسها، التي عانت كثيراً كأم ممنوعة من الحزن على إبنها. القيصرة أم القيصر
تركت حادثة قتل گيتا جرحاً عميقاً في وجدان جوليا دومنا، كما عبر عن ذلك المؤرخ كاسيوس ديو Lucius Claudius Cassius Dio Cocceianus، ولم تعد علاقتها بكركلا كما كانت، ومع ذلك ظلت تعامل بفائق الإحترام، حتى أنها كانت المسؤولة عن شؤون الإمبرطورية الروماتية من الناحية الإدارية، حيث ركز كاراكلا جهوده في الحروب والمعارك. وقد تابعت جوليا دومنا اهتمامها بالآداب والفلسفة والفنون، من خلال عقد حلقات للأدباء والفلاسفة في قصرها، منهم الكاتب فلاڤيوس فيلوستراتوس Flavius Philostratos الذي ألف كتاب -بناء على طلب جوليا دومنا- عن حياة الفيلسوف الفيثاغوري أپولونيوس من تيانا Apollonius of Tyana والذي أنهاه بعد مماتها. في العام 214 م
كانت جوليا دمنا في سوريا مع ولدها كركلا الذي بدأ سلسة معاركه مع الفرس، وفي الثامن من نيسان عام 217 م وأثناء تواجده في الرها في شرق سوريا قتله أحد الحراس بتحريض من القائد الروماني مكرينوس Macrinus الذي أصبح قيصراً من بعده. النهاية بالرغم من حزنها الشديد الذي أضر بصحتها كثيراً، وعلى غير ما هو متوقع، فقد احتفظت جوليا دومنا بصلاحيات عديدة في زمن القيصر مكاريوس، إلا أنها عندم أخذت بممارسة هذه الصلاحيات، تنبه مكاريوس إلى إمكانية إستعادتها لمجدها السابق في حكم الامبراطورية، فأمرها بمغادرة أنطاكية، الأمر الذي يعني نهاية نفوذها، مما جعل صحتها تسوء وصولاً إلى موتها في العام 217 م،
نُقل جثمانها إلى روما وعومل وفق تقاليد تأليه القياصرة. سلالتها من اولادها لا تزال موجودة حتى يومنا هذا وهي موجودة في مدينة حمص ويقال ان هذه السلالة تسمى آل سڤروس نسبة إلى سپتيميوس سڤروس وتوجد وثائق مسجلة في كنيسة أم الزنار المشهورة تثبت نسبهم إلى هذه السلالة الامبراطورية.
لم تكن جوليا دومنا تلك الفتاة الحمصية بارعة الجمال تحلم قبل ألفي عام أن تصبح السيدة الأولى في قصر الإمبراطورية الرومانية التي كانت من أعظم الإمبراطوريات في ذلك العصر رغم أن النجوم قد بشّرتها بزواجٍ ملكي، على حد وصف المؤرخ (جان بابليون) وكان هذا كافياً لسبتيموس سيفيروس العربي الليبي أحد ثلاثة قادة للجيوش الرومانية في عهد أحد أباطرة الانطونيين (مارك أوريل أو ماركوس أوريليوس) كما يُسمى بالرومانية. كان هذا كافياً له لأن يعمل على الزواج منها، وهو العسكري المجبول على إطاعة الأوامر العليا كما يصفه بابليون وبخاصة إذا كانت تلك الأوامر آتية من السماء التي يجب اللجوء إليها في كل أمر عظيم.
كانت حمص في العصر الروماني مشهورةً بعبادة إيلا غابال (إله الشمس) الذي يرمز إليه حجر أسود مخروطي الشكل أُقيم في معبد الجبل، المعبد الكبير والهام في حمص، وهو مكان الجامع النوري الكبير حاليا، وكان الكاهن (باسيانوس الحمصي) هو المُولج برعاية هذا المعبد والعمل على خدمته، وكان لهذا الكاهن ابنة تدعى (جوليا دومنا) على قدرٍ كبيرٍ من الجمال والذكاء، وشاءت الأقدار أن يأتي إلى حمص القائد الليبي (سيبتيموس سيفيروس) بمهمة من الحكومة الرومانية للقضاء على الفوضى التي قامت فيها، ولقطع دابر الأشقياء والمفسدين، فقام بالمهمة خير قيام، وفي حمص تعرف على باسيانوس وأُعجب بابنته إعجاباً شديداً، وانتهى هذا الإعجاب بالزواج سنة 187 وجرى للعروسين احتفال أسطوري يليق بهما، ولم تأت سنة 193 حتى نادى الجيش بسيبتموس سيفيروس امبراطوراً على روما، وبذلك وُضع الأساس لصرح الأباطرة السيفيريين ذوي الأصل الحمصي عن طريق جوليا دومنا التي عملت على جلب أختها (جوليا ميسا) وابنتي اختها (جوليا سوميا) و(جوليا مامة) إلى مدينة روما حيث امتزجت أسماؤهن بتاريخ روما، واعتلين عرشها الإمبراطوري بالتتالي.

العاصي والتيبر:
لم تكن سيدة القصر الإمبرطوري في روما (جوليا دومنا) امرأة عادية بل كتلة من المواهب العبقرية التي جعلتها تصنع جزءاً كبيراً من نجاحات زوجها الإمبراطور سيفيروس، وكأن مقولة ” وراء كل عظيم إمرأة” التي تتردد كثيراً في أحاديثنا اليوم، كانت حقيقة مجسدة في ذلك العصر.

لقد اتصفت جوليا بكل الصفات التي جعلت منها أنثى استثنائية، وهي صفات كانت نادرة الوجود لدى السيدات الرومانيات آنذاك، من حدة في الذكاء، وسعة في الحيلة، وإصابة في الحس وعناد في الإرادة، وجرأة وإقدام، وقوة فكرية، واستطاعت جوليا بما أُوتيت من ذكاء وحزم وتخطيط أن تسهم مع زوجها في تصريف شؤون الإمبراطورية وأن ترافقه في رحلاته وانتصاراته حتى منحتها روما لقب “أم الوطن” ولقب “أم الشيوخ”، وأنشأت (جوليا دومنا) صالوناً ثقافياً في أثينا عرف بصالون الإمبراطورة، كان يتردد عليه عدد كبير من أدباء وفلاسفة ومفكري ذلك العصر، من أمثال الفيلسوف السفسطائي (أبولويانوس) والشاعر (أربياه) والطبيب البارع (واربا) والفيلسوف (أبوجين أرتيني) الذي أهداها كتابه (حياة الفلاسفة) والمؤرخ (أثينوس وماربوس ماكسيموس) والفيلسوف (هيرود أتيكوس) و(أبولي) أمين سر الإمبراطورية ومؤلف كتاب (الحمار الذهبي) والمؤرخ (هيبرابوليس) قنصل وحاكم أثينا الذي ألف كتاباً أسماه (تاريخ السيفيريين) و(إميل بابنياس) الذي يعتبر أشهر الفقهاء في العالم وفي كل العصور وقد ولد في مدينة حمص عام 142م وقتل عام212م بأمر من كركلا ابن جوليا لأنه رفض كتابة دفاع وتبرير لكركلا تبيح للأخير قتل أخيه غيتا دفاعا عن النفس وكان جوابه المشهور الذي قُتل بسببه (إن ارتكاب جريمة قتل الوالدين أيسر من تبريرها) ويعني تبرير قتل كركلا لأخيه وقال: (إن تبرير قتل النفس ليس أسهل من اقتراف القتل).

ساعدت جوليا على انتشار النفوذ الثقافي السوري في روما، وأحاطت نفسها بعددٍ كبيرٍ من المفكرين والعلماء والأطباء السوريين، وهذا النفوذ هو الذي دعا الشاعر اللاتيني (جوفنال) لأن يتذمر في هجائيته المسماة “بابل” بأن نهر (العاصي) السوري أصبح يصب منذ زمن بعيد في (التيبر)، والحياة أصبحت في روما لا تُطاق من كثرة هؤلاء الأغراب الذين توافدوا على العاصمة واستقروا فيها. وقد لعب الجانب الديني دوراً كبيراً في ترسيخ هذا النفوذ، فسوريا في ذلك الوقت كانت موطن الديانات الشرقية، وموئل التدين والعبادات الشرقية في الوثنية الرومانية وكانت الشمس في المعتقد السوري أقوى الآلهة، فهي تتحكم بمسار الأزمنة والأشياء وتقود دورة النجوم وهي كما يقول “شيشرون” وهو “قائد وملك كل الأنوار السماوية الأخرى والعقل المدبر للعالم كله”. ومن خلال معبد الشمس استطاعت حمص أن تتربع على عرش روما سيدة العالم في ذلك العصر لمدة خمسين عاماً تقريبا، كما استطاعت أن تفرض لفترة قصيرة عبادة إله الشمس الحمصي “إيلاغابال” الذي لا يُقهر كأعلى وأعظم الآلهة في مدينة روما ومن الأعمال العظيمة التي أنجزها سيفيروس مدرسة بيروت للحقوق التي أنشأها إكراما لزوجته جوليا دومنا وتعتبر أشهر مدرسة للحقوق الرومانية في التاريخ، وأطول المدارس عمرا رغم أنها لم تكن الوحيدة ومما يدل على أن سيفيروس هو الذي أنشأها المعبد الذي أقيم لسيفيروس في بيروت ووضع داخل المعبد تمثال له، و”اجتذبت مدرسة بيروت للحقوق كثيراً من الطلاب العرب والأجانب وذلك من مختلف مناطق الإمبراطورية الرومانية وكان من خريجيها كثير من الأباطرة ورؤساء الحرس الإمبراطوري والحكام القضائيين ورؤساء الديوان (الوزارة) وكثير من الوزراء والعظام وكان لأساتذة المدرسة شهرة فائقة وتأثير كبير في مؤلفاتهم على الحقوق الرومانية وهذا ما جعل مدرسة بيروت للحقوق أكاديمية جامعية ذات شهرة عالمية” (دراسة بعنوان الأثر الشرقي في القانون الروماني – اللاتيني بقلم أحمد غسان سبانو، مجلة التراث العربي، دمشق العدد الأول، السنة الأولى تشرين الثاني 1979).
وقد قضى زلزال حدث في عام 551 م على المدرسة وهدمها فوق طلابها وأساتذتها كما هدم مدينة بيروت وذهب ضحية هذا الزلزال ثلاثون ألف شخص من سكان بيروت ومنهم عدد كبير من الطلاب الأجانب أبناء الأسر النبيلة. وعُثر على بقايا لهذه المدرسة منذ سنوات أثناء تجديد وسط مدينة بيروت.

“أيلا غابال”:
بعد وفاة (سيبتيموس سيفيروس) في إحدى معارك الرومان في بريطانيا بقيت الأسرة السيفيرية مسيطرة على حكم روما من خلال ابني سيفيروس من جوليا دومنا(كراكلا) و(جيتا) ولكن صراعاً دموياً نشب بين الأخوين اللذين كانا يكنان لبعضهما منذ الطفولة أشد أنواع البغض والكراهية، ولذلك حاول كركلا وهو الأكبر أن يجعل نفسه الحاكم الوحيد لروما، وفي سبيل ذلك دبّر اغتيال أخيه (جيتا) وهو في جناح والدته الخاص، وكان (جيتا) قد دُعي إلى ذلك الجناح للتوفيق والصلح مع أخيه كراكلا وأُصيبت جوليا نفسها بجراحٍ في يدها أثناء محاولتها حماية ابنها، وقد حدث ذلك في سنة/112/ وهي السنة التي منح فيها (كراكلا) حق الرعوية الرومانية (المواطنة بالمفهوم المعاصر) لجميع سكان الولايات الأحرار، وكان آنئذٍ في الثالثة والعشرين من عمره، ومنذ ذلك الحين حُكم على الإمبراطورة الوالدة التعيسة أن تبكي على موت الولد الراحل وعلى حياة ابنها الآخر غريب الأطوار.

وقفت والدة كراكلا مكتوفة اليدين تجاه تصرفات ولدها، ولم تجرؤ على ذرف دمعة واحدة على ابنها الذي مات غيلةً، وبعد خمس سنوات من توليه الحكم في روما قُتل كراكلا على يد قائد الحرس القضائي (ماكران) الذي نصّب نفسه بدلاً عنه، ولما بلغ جوليا ذلك وهي في أنطاكيا أُصيبت بحالةٍ شديدة من الحزن والكآبة، وقد دفعتها هذه الحالة إلى محاولة الانتحار جوعاً، ليس بسبب موت ابنها المكروه (كراكلا) بل لأنها لم تستطع التفكير بالعودة إلى الحياة العادية بعد أن كانت تأمل أن تصبح الحاكم الوحيد لروما، وأن تجعل نفسها معادلةً لسمير أميس، ونجحت أخيرا محاولاتها المتكررة في الانتحار، وحُمل رماد جسدها، ووضع في مدفن “أوغست” في روما دلالةً على المكانة الكبرى التي تمتعت بها عند الرومان، وأعاد “ماكران” أختها وابنتيها مع حاشيتها إلى حمص، إلا أن الفرقة الرومانية الثالثة المؤلفة من الجنود السوريين أعلنت “أفيتوس” ابن كركلا ابن (جوليا سوميا) إمبراطوراً بعد إعلانه الانتصار على ماكران وتم الأمر لافيتوس الذي غلب عليه اهتمامه بالجانب الديني، وأصدر أوامره بأن تُقام الطقوس الدينية للإله (ايلاغابال) في جميع أنحاء الإمبراطورية، بل واصطحب معه الحجر الأسود من حمص إلى روما، وبنى له معبداً خاصاً على شاكلة معبد حمص في موقع كنيسة “سباستيان” الحالية كما رفع مدينة حمص إلى مصاف ميتروبول المدن الكبرى.

وقُتل أفيتوس غيلة أيضاً، فحكم من بعده الإسكندر سيفر ووالدته (جوليا مامة) ابنة شقيقة (جوليا دومنا) الذي قتل هو الآخر على يد أحد قواده، وبزواله زال حكم السلالة السورية من روما، كما زال السلم وعمّت الفوضى في أرجاء الإمبراطورية الرومانيـة.