《العمارة الدمشقية بايدي المعماريين الدمشقيين المسيحيين، قبل وبعد 1860م》

《العمارة الدمشقية بايدي المعماريين الدمشقيين المسيحيين، قبل وبعد 1860م》

《العمارة الدمشقية بايدي المعماريين الدمشقيين المسيحيين، قبل وبعد 1860م》الاستاذ الياس بولاد
كتب الاستاذ الياس بولاد المحاضرة التي قدمها لنا على صفحته مشكورا..
《العمارة الدمشقية ، جواهر صاغتها ايدي المعماريين الدمشقيين المسيحيين، العمارة الدمشقية قبل وبعد 1860م》
هذا هو عنوان المحاضرة التي القيتها بالمركز الثقافي العربي -ابو رمانة ؛ نهار 17/اب/2021
الساعة السادسة والنصف مساء
ونظرا لطلب عدد كبير من الاصدقاء الذين لم تسمح لهم ظروفهم بحضورها ؛ اعيد كتابتة محاورها الاساسية .
ومن ناحية اخرى ، تتاح الفرصة لعدد من المدعوين الذين قاطعوها.وكذلك لاشخاص حكموا من خلال عنوانها مستنكرين وطالبين من ادارة المركز الثقافي الغاءها!!؟؟
لمحة تاريخية .
تعتبر العمارة الدمشقية احدى الفنون التي اشتهرت بها مدينة دمشق (داخل السور ). عبر التاريخ. ويمكننا ان نأخذ فكرة عن شكل هذه العمارة الملموس والواقعي بدء من عصر الانباط (بترا وبصرى الشام)وتحولها بالعصر الروماني الى شكل متطور عن طريق عبقري دمشقي يدعى ابولودور .فقد ارسى هذا العبقري مدرسة ، لها اسرارها المعمارية وطقوسها حتى القرن العشرين . حيث اخذت معالم وخصائص تناقلها المعماريون الدمشقيون ضمن نقابة مغلقة حتى 1860 .
حتى القرن العاشر كانت جميع الصناعات والفنون الجميلة والوظائف الحكومية الرفيعة بين ايدي الدمشقيين المسيحيين لانهم كانوا حتى ذلك التاريخ يشكلون الاكثرية الساحقة من السكان وهناك جزء ضئيل من هذه الصناعات كانت بيد اليهود الدمشقيين مثل صناعة الزجاج.. اما المسلمون فلم ينتسب سوى عدد ضئيل منهم الى مدارس المسيحيين .
على الرغم من ان عدد المسيحيين تضائل ما بين القرن 11 و14 م. فان الصناعات بقيت في ايدي معلميها ولم يقارب الاعمال الفنية والحرف سوى عدد قليل من المسلمين وعلى الرغم من ان المسيحيين بدمشق اضحوا اقلية ما بين القرن 15واحداث 1860 بحيث لم يتجاوزوا ثلث عدد السكان وعلى الرغم من انهم لا يملكون اية اراضي زراعية الا في الارياف فقد ظللوا يطبقون المثل القائل : “صنعة باليد امان من الفقر ” . ويحتكرون بعض الصناعات الهامة والمربحة ومنها : حياكة الحرير الصياغة الزخرفة الحديدية الفسيفساء فن العمارة النقش والنحت على الحجر . ان زخرفة المنازل قد توقفت بشكل نهائي في بداية القرن 19 اما صباغة الحرير فكانت حكرا على اليهود اما فن الخزف الذي كان بين ايدي المسلمين فقد اختفى بالقرن 18 نتيجة ابتعاد الحرفيين المتخصصين به .
العمارة الدمشقية كانت حكرا على المسيحيين الدمشقيين منذ القرن السابع عشر الميلادي بعد اعادة التأهيل التي قاموا بها عند عودتهم من السبي الذي نقلهم اليه تيمورلنك عام 1400 م واستمر حتى عشرينيات القرن العشرين .
من عام 1920 الى 2021 ساد مبدء المواطنة على الشعب السوري عبر الاحزاب السياسية ولذلك توقفت القوانين التي تخصص تعلم وممارسة الفنون والحرف على اساس ديني وطائفي فكنت ترى المعماري المسلم يتشارك مع المعماري المسيحي بالمكتب الهندسي وتنفيذ الابنية والعقارات .
ولكن هذا الحال لم يكن ابدا بالقرون السابقة وخصوصا بالفترة العثمانية . فبدل المواطنة كان الشعب يعتبر رعايا السلطنة والمجتمع تحكمه قوانين تدعى ” قوانين الملل والنحل” وكل ملة او نحلة لها ممثلها واحكامها التي تتحكم بحياتها كلها . وهذا انعكس على الفنون والحرف والصناعات . فكانت الحرف قبل اواسط القرن السادس عشر تحكمها روابط نقابية (الى حد ما متساهلة مع الحرفيين) ولكن منذ اواسط القرن السابع عشر الميلادي انشأ العثمانيون نظاما جديدا مضبوطا بشكل مركزي دعي : بقانون ” مشيخة الكار” فكان للمسلمين شيخ كار خاص بهم وللمسيحيين شيخ كار خاص بهم . ومن اسباب هذا القانون التجاوزات التي كانت تحصل والتعديات على الحرف وكذلك لضبط جمع الضرائب والاتاوات …وهكذا صارت حرفة وفن العمارة محصورا بالمسيحيين ويمثلهم شيخ كار خاص بهم .وتأكيدا لذلك نورد ما جاء في قاموس الصناعات الشامية للشيخ ظافر القاسمي :
“البناء او يقال له المعماري : وغالبا صناعها في الشام نصارى بل كلهم .وتنتج اجرا وافرا والله المدبر المعين .
ويقول السيد الياس عبده القدسي عضو المجمع العلمي العربي بدمشق بكتابه الوقيقة : “نبذة تاريخية في الحرف الدمشقية ” 1883
سادسا : ان حرفة البنائين والنحاتين الذين جميعهم من المسيحيين .لا يعرفون الشد (من طقوس شيخ الكار) . ولهم جمعية معلمين مؤلفة من 12 عضوا تجتمع بالشهر مرة وتعين رئيس لها كل 3 اشهر تبدله بسواه ومن اخص واجباتها حفظ رابطة الكار .
اسماء بعض المعماريين الدمشقيين المسيحيين الوارد ذكرهم في كتب ومراجع تاريخية متفرقة :
ميخائيل مسدية نقولا وردة انطون منصور ابراهيم منصور وهبة بهيت يوسف العنيد .كبير المعماريين موسى الجهلان موسى حجار. انطون خضرا خليل عطية رستم مجاعص المعمار جرجي متري ايوب الذي اقام جناح السلطنة العثمانية بشيكاغو عام 1893 يوسف سياج (القرن 18). جرجي هبي ميخائيل وهبة الشاوي .
كانت مهنة النحت والعمار في يد المسيحيين حتى بداية عشرينيات القرن ال20 .ولما اعرض الشباب المسيحيين بتعلم هذه المهنة توجه المعلم ابوموسى الاشقر المسيحي الملكي الكاثوليكي الى شبان الاسلام بقرية التل (قريبة من دمشق) وعلم هذه المهنة لهم فاحتكر هؤلاء هذا الفن بعد ذلك .
وهناك عائلات مسيحية كنيتها تدل على مهنتها او حرفتهافي مجال العمارة مثل :
بيت البنا قصرمللي طبشراني صارجي طراب معمار باشي نحات نقاش..
نأتي الان الى النصوص التاريخية من اسلامية ومسيحية التي تثبت بشكل قاطع ان مهنة العمارة قبل 1920 كانت بيد المسيحيين.
النصوص الاسلامية .
لدينا المرجع التاريخي وهو مذكرات البديري الحلاق حيث يذكر في حوادث دمشق اليومية .سنة 1156 هجرية الموافقة 1743 م.
” فارسل خلف المعمارية الذين عمروا السرايا وكانوا نصارى وكان المعلم نصرانيا ويقال له ابن سياج .”
☆سنة 1173/1759 يتكلم عن الزلزلة التي ضربت دمشق وكيف بادر المعماريون لاعادة الاعمار : وفي هذه الايام بوشر بعمارة الجامع الاموي فدخلته المعمارية والنجارون والدهانون والحجارة وبذلوا الهمة بتعمير القبة والجهة الشرقية وما سقط من المأذن. وكانت العمارة مشتغلة بالقلعة وترميمها وقد تمت عمارة القلعة في شهر رجب سنة تاريخه وتم تعمير الجامع الاموي والجهة الشماليةوالقبة وترميم المنائر وتحسينه في شهر رمضان هذه السنة .وقد بني سنة 1183 قناة داخل صحن الجامع الاموي واجرى لها الماء من نهر القنوات.. (هذا كان من عمل الشاوي او القنواتي يقول القاسمي ان لهم مهارة في سحب الماء من الانهر والطوالع الى الحياض والدور. وهي حرفة مهمة بدمشق لا يتعاطاها الا المسيحيون ولهم مهارة تامة وتنتج ربحا جيدا .” )
ويؤكد ما جاء بكتاب البديري كمال الدين الغزي بمذكرة عن الزلزلة العظمى بدمشق 1759 م. .. يقول بعد وصف حال ما خلفته الزلزلة ان البنائين النصارى من قام باعمال الترميم وطلبوا اموالا عظيمة .
وهناك نص من وثائق دمشق حول مئذنة جامع الدرويشية للشيخ عبد الغني النابلسي بتاريخ 27/3/1724 م.
السجل 275/144/50 يذكر فيه الاتفاق مع معماريين مسيحيين ويذكرهم بالاسم على اعادة بناء المئذنة كما كانت لقاء 500 غرش .
اما المصادر المسيحية التي تؤكد دور المسيحيين بالعمارة الدمشقية فاهمها كتاب تاريخ الشام للخوري ميخائيل بريك الدمشقي .ويماثل تقريبا اسلوب البديري الحلاق وقد ارخ لاحداث دمشق من عام 1720 الى 1782 .
مما جاء عام 1759 :
وتظاهرت النصارى بعمارات الدور والقصور والقاعات شيء ما حصل لمن تقدمهم ولا عاد يصير لمن بعدهم . لم يكن الوالي اسعد باشا العظم له نظير بتساهله مع الذميين وتسامحه ومجانبته الحرب والقتال لشدة ولعه بانشاء البنايات العظيمة في دمشق وغيرها .”.
ويذكر ما حدث بالزلزلة العظيمة عام 1759 م .بقول سنة 1761 في هذه السنةتعمر الذي انهدم من الجامع الكبير الاموي وموادنه ومأذنة عيسى ابن مريم .
جاء في كتاب سفرة البطريرك مكاريوس الحلبي. صفحة 226 .:” وبقي دلمعلمون والاستاذون(كبار معلمي العمار) وكانوا نحو 60 يشتغلون الا ان الخان قد اجتهدنا في تكميله قبل الشتاء وكانوا من 60 او 70 فكمل في 80 يوما وكان السادة المسلمون يتعجبون من ذلك… وجميع المعلمين مسيحيون . ..سنة 1659 م.
عام 1893 احترق الجامع الاموي بدمشق وشكلت لجنة لاعادة الاعمار برئاسة المعماري المسيحي موسى حجار ومعه اعداد كبيرة من المعماريين الدمشقيين المسيحيين وكذلك عمل بترخيم الجامع لا سيما المحراب والمنبر الرخامي كل من المرخمجي (يوسف نقولا وردة وابن الزهراوي المسيحيان).
وهناك وثيقة للسيد بورتر تقول :تتفق كافة المصادر الغربية ان حرك الاموي كان محظورا على غير المسلمين حتى حرب القرم ولكن على ما يبدوا كانت هناك استثناءات لهذه الفاعدة على الاقل فيما يتعلق بالحرفيين المهرة .ان الخوري انطون بولاد زوده باغلبية القياسات التي بني عليها خريطته وان بولاد حصل على هذه المعلومات من شخص مسيحي عمل في ترميم داخل الجامع لحساب السلطات قبل بضعة سنوات … العمارة الدمشقية قبل 1860 وبعده.
ان حوادث 1860 وتدمير الحي المسيحي هو تاريخ مفصلي بالعمارة الدمشقية .فقبل 1860 كانت مدينة دمشق مؤلفة من ثلاثة احياء كبيرة الحي الاسلامي الحي المسيحي والحي اليهودي وفي الوسط السوق التجاري الشهير . يفصل هذه الاحياء بعضها عن بعض ابواب كبيرة كما ان داخل كل حي توجد ابواب تفصل الازقة عن بعضهاوكانت الورشات واماكن السكن متداخلة مع بعضها وقد تغيرت معالم هذه الاحياء نتيجة غزوات وحروب داخلية اهمها كانت عام 1400 مع تيمورلنك وحوادث ومجزرة وتدمير االحي المسيحي عام 1860 .كان للمباني الدمشقية طابعا هندسيا دمشقيا متميزا وفريدل بخصوصيته من حيث الشكل العام والتزيين داخل وخارج الغرف . وقد جسد المعماريون الدمشقيون المسيحيون بناءاتهم بحيث جاءت متناغمة مع طبيعة معيشة الدمشقيين القئمة على الصناعةوالتجارة والسواق ومع مناخ هذه المدينةفي فصول السنة (جوامع كنائس حمامات قهاوي خانات اسطبلات(ياخور). وفي الحي المسيحي زاد اهتمام المعماريين الدمشقيين المسيحيين بالاعتناء المفرط بتزويق منازلهم لا سيما من الداخل كما لاحظ شاهد عيان زار دمشق قبل الاحداث الدامية ل1860 حيث ان المسيحيين
لم يكن لهم اماكن اجتماعات ولقاءات عامة كافية خاصة بهم وكان ممنوع عليهم مخالطة اماكن المسلمين فقد كان لهم مقهى واحد فقط يرتادونه لذلك كانوا يعتنون بتزويق منازلهم. وكانواعلى الاغلب يجتمعون بشكل عائلي في دورهم الواسعة .ونفس الشيء لليهود .وجميع بيوت اليهود الفخمة يعود بناءها الى القرن 18 م. ومن عمل المعماريين الدمشقيين والمرخمين المسيحيين .. وان لم يبق اي اثر لبيوت الحي المسيحي او صور فوتوغرافية لها كيف كانت قبل 1860 فهي بكل تأكيد مشابهة بيوت المسلمين مع اقل بزخا منهم ..
اما العمارة الدمشقية بعد 1860 فقد بدء التأثير الغربي يتغلغل رويدا رويدا على حجمها وتزيناتها. وتوسعها خارج السور وحتى البيوت والكنائس بالحي المسيحي اخذ شكلا مخالفا الى حد لا بأس به لما كان قبل 1860 وعدا القصرين او الثلاثة التي بنيت بعد الاحداث نلاحظ جليا التأثير الغربي فيها وباقي البيوت كانت متفاوتة المساحة وتميل الى تقليلها.كل ذلك بسبب العوامل التالية :
الانفتاح الكبير وتدخل بعثات غربية واستيطانها داخل الحي المسيحي وما تحمله من قيم أوروبية حديثة كان مرافقا لفتح طريق بيروت دمشق وتوسيع مرفأ بيروت وتدفق البضائع الاوروبية ..
توسيع السوق وجعله مستقيما أيام مدحت باشا .التزايد السكاني لمدينة دمشق والتوسع العمراني شمالا وغربا …
كل ذلك جاء واضحا ومفصلا في بحث قام به باحث فرنسي يدعى : جان لوك ارنو بتكليف من مركز ابحاث CNRS الفرنسي وقد ظهر بكتاب بعنوان : ” دمشق تخطيط مدينة وهندستها المعمارية من 1860 الى 1925 م. وملخصه :
“في منعطف القرن 19/20 ومع التزايد السكاني واندماج وتكامل الشرق مع العالم الاقتصادي للبحر المتوسط والبدء بتنفيذ الاصلاحات العثمانية .كل ذلك اتاح الفرصة لقيام تحولات مهمة وكبيرة لمظاهر واشكال هندسة معمارية واجتماعية لمدينة
دمشق ويظهر ذلك جليا عند تفحصنا للعلاقات بين المدينة وضواحيها والتحولات والتبدلات لتخطيط المدينة التي حدثت مع اعمال الهندسة المعمارية المنزلية البيتية .
اخيرا بعد التشويه الذي نراه بعد 1860 ببدء اعادة اعمار الحي المسيحي عام 1864 والذي لا زال ماثلا الى يومنا هذا وكذلك ما حصل للحي الاريستقراطي الاسلامي سيدي عامود بعد 1925 وتحويله الى سوق تجاري بابنية بيطونية شنيعة لا زالت الى اليوم . ونحن قادمون على ورشة كبيرة من اعادة الاعمار بسورية بعد الحرب .ان نتفكر بما ال اليه مصير اجمل حيين دمشقيين . ونأخذ العبرة والدرس. فما سوف يبنى اليوم سيبقى لقرون طويلة ولاجيال من السوريين .وشكرا ومعذرة للاطالة.